ناصر التميمي
ناصر التميمي

هل تتخلى الهند عن روسيا؟

وسط الصراع الجيوسياسي الناجم عن حرب أوكرانيا، سجلت الهند وروسيا نموا كبيرا في التجارة الثنائية، مما يؤكد قوة واستمرارية العلاقات التي تم اختبارها عبر الزمن.

خلال الأسبوع الماضي وأثناء زيارته الأولى لموسكو منذ اجتاحت روسيا أوكرانيا في أواخر فبراير/شباط من هذا العام، قال وزير الشؤون الخارجية سوبرامانيام جايشانكار، إن الهند ستستمر في استيراد النفط الخام من روسيا على الرغم من الضغوط الغربية.

لقد بذلت الهند قصارى جهدها لحماية مصالحها بدلا من السير على خط القوى الغربية خلال أزمة الطاقة المستمرة، حيث اتبعت نيودلهي سياسة خارجية مستقلة تمثلت في رفضها إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وعدم الانضمام إلى عقوبات الغرب ضد روسيا.

وفي المجال الاقتصادي، أصبحت روسيا أكبر مورد للنفط للهند في أكتوبر/تشرين الأول، متفوقة على الموردين التقليديين مثل العراق والسعودية، حيث يستفيد ثالث أكبر اقتصاد في آسيا (بعد الصين واليابان) من التخفيضات المغرية في الأسعار التي تقدمها الشركات الروسية.

والأهم أن نيودلهي كانت حذرة تجاه مقترحات واشنطن بتطبيق السقف السعري على صادرات النفط الروسي، وهو أمر أكده جايشانكار خلال زيارته الأخيرة لموسكو من "الالتزام الأساسي'' لنيودلهي بضمان حصول المستهلكين الهنود على الأفضل، علاوة على إمكانية الوصول إلى الشروط "الأكثر فائدة" في أسواق النفط الخام الدولية.

وليس ذلك فحسب، بل إن الهند تضع نصب عينيها مضاعفة حجم التجارة السنوي مع روسيا إلى 30 مليار دولار في المدى القريب.

مثل هذه التوجهات أزعجت الغرب، فقد أصبحت علاقة الهند الاقتصادية الطويلة مع روسيا إشكالية بشكل متزايد بالنسبة للولايات المتحدة، كما أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخرا.

وأضافت أن الهند هي أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية في العالم، وهي علاقة يصعب قطعها، لا سيما بالنظر إلى توترات الهند مع الصين وباكستان المجاورتين.

صحيح أن الهند تسعى لإقامة علاقة اقتصادية أقوى مع الولايات المتحدة، لكن من غير المرجح أن تنأى بنفسها عن روسيا على الأقل في المدى القصير.

بالنسبة للهند، العلاقة مع موسكو تاريخية وتعود لعقود طويلة من الزمن أو لأكثر من جيلين، على عكس العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة التي تعتبر جديدة نسبيا.

هذا الأمر تدركه واشنطن، وهو ما دفع جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية، في زيارتها الأخيرة لنيودلهي، للقول إن الولايات المتحدة لا تمانع استمرار الهند في شراء كميات النفط الروسية التي تريدها وبأسعار أعلى من السقف الذي ستعلنه مجموعة السبع الكبرى، لكن دون استخدام الخدمات الغربية.

كما أن سياسة الولايات المتحدة بدأت التركيز على المجالات الأخرى التي يمكن أن تتعاون فيها مع الهند، دون التهديد بفرض عقوبات قاسية.

مخاوف الولايات المتحدة والهند تجاه الصين تزيد من فرص المزيد من التقارب الاستراتيجي بين البلدين.

في المجال الاقتصادي هناك العديد من القطاعات الواعدة للشراكة بين الولايات المتحدة والهند، لاسيما في إنشاء سلاسل توريد أو إمداد آمنة للتقنيات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات، وبطاريات السيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، علاوة على التعاون في مجالات الطاقة النظيفة وتقليل اعتماد البلدين على واردات الوقود الأحفوري.

في المجال العسكري، لا تزال روسيا موردا رئيسيا للأسلحة إلى الهند، لكن موسكو تواجه منافسة في سوق الأسلحة الهندية من قبل شركات غربية وإسرائيلية وغيرها.

كما أدت رغبة الهند في تنويع إمداداتها من الأسلحة وتطوير صناعة الدفاع الخاصة بها إلى انخفاض شحنات الأسلحة الروسية إلى الهند في السنوات الأخيرة، وهو أمر قد تشجعه واشنطن مع مرور الوقت من خلال تقديم المزيد من البدائل العسكرية لنيودلهي.

في مجال الطاقة، تراهن الولايات المتحدة على أن الأسعار قد تتراجع في المدى القصير مما يمنح الهند فرصة لتخفيض وارداتها من روسيا.

مع ذلك، تواجه الهند شتاء من عدم اليقين. فقد تؤدي القيود المفروضة على النفط الروسي نتيجة السقف السعري، وحظر الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على الشحن والخدمات ذات الصلة للخام الروسي إلى الضغط على توفر الناقلات، حيث تشير بعض التقديرات الهندية إلى أن نحو 90% من تجارة البترول وسوائله في الهند يتم شحنها بواسطة ناقلات أجنبية.

وبالمحصلة إلى ارتفاع الأسعار لمستويات قياسية جديدة بشكل قد يهدد أمن الطاقة في الهند، وبالتالي تقويض نموها الاقتصادي.

كما يمكن أن يؤدي مسار الحرب ونتائجها أيضا إلى تغيير النظام الجيوسياسي الآسيوي، مما يعزز نفوذ الصين، أكبر منافس للهند في آسيا.

وحصول أي من هذين التطورين لن يبشر بالخير سياسيا لحزب "بهاراتيا جاناتا" الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي قبل الانتخابات المحلية في تسع ولايات هندية العام المقبل.

بالإضافة إلى الاستفادة من أسعار الطاقة الروسية المخفضة، فإن أي انفصال عن موسكو من المرجح أن يدفع موسكو إلى الاقتراب بشكل أكبر نحو بكين. لذلك، من دون السعي إلى استعداء روسيا، تُبقي الهند جميع الخيارات مفتوحة.

لقد أظهرت الهند أنها مستعدة لمواصلة السير على حبل مشدود بين روسيا والغرب في الوقت الحالي، لكن من الواضح أن نيودلهي قلقة من أن الحرب في أوكرانيا قد تتصاعد إلى مرحلة جديدة خطيرة من شأنها أن تجعل عملية التوازن أكثر صعوبة.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com