ناصر التميمي
ناصر التميمي

كازاخستان بين أوروبا وروسيا

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وجدت كازاخستان نفسها في موقف صعب، في محاولة لتحقيق التوازن بين اعتمادها الاقتصادي على روسيا ودعمها القوي لوحدة أراضيها، لكن المخاوف بشأن العقوبات الغربية وتأثيرها المحتمل على الاقتصاد دفع آستانا إلى البحث عن خيارات بديلة لسياستها الخارجية، وتجارتها مع العالم الخارجي.

ومع تزايد توقعات النمو القاتمة لروسيا، ترجح العديد من المؤسسات الدولية، أن يقوض ذلك مكانتها التاريخية كقائد اقتصادي في المنطقة ومصداقيتها كمقرض ومستثمر موثوق.

والآن، مع انشغال موسكو في حربها مع أوكرانيا، بدأت كازاخستان (ودول أخرى في منطقة آسيا الوسطى) تتبنى خطا أكثر استقلالية، على الرغم من حرصها على عدم الذهاب بعيدا في إغضاب جارتها الكبرى.

في الحقيقة أن آستانا تتوقع أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن موقفها التفاوضي يتعزز مع مرور الوقت خصوصا في ظل المصاعب التي تعاني منها روسيا، كما تشعر القيادة في كازاخستان أن الأهمية الجيواستراتيجية لآسيا الوسطى آخذة في الازدياد خصوصا للاتحاد الأوروبي والصين وحتى لدول أخرى. بالتالي ينبغي أن تتطلع البلاد إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على روسيا.

لعل هذا المنطق كان واضحا في السلوك السياسي لكازاخستان، حيث لم تصوت لصالح روسيا في تصويتين هامين للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن شرعية غزو أوكرانيا.

هذا ولم تعترف كازاخستان بجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين عندما اعترفت بهما روسيا في فبراير/شباط 2022، ولم تعترف كذلك بالأراضي التي تم ضمها من قبل روسيا في سبتمبر/أيلول 2022. كما رفضت أستانا الامتثال لمطالب موسكو بطرد السفير الأوكراني إلى كازاخستان في سبتمبر 2022، أو عدم استقبال الروس الهاربين من شبح التجنيد في بلادهم.

هذا الوضع من المؤكد هو ما دفع نائب رئيس المفوضية الأوروبية ومسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل خلال زيارته للمنطقة قبل أيام قليلة للقول إن الاتحاد الأوروبي لديه الكثير ليقدمه للمساعدة في تنويع خيارات السياسة الخارجية.

وكتب في هذا المجال أن الاتحاد الأوروبي لديه مصلحة واضحة في اغتنام هذه التغييرات، وينبغي عليه تعميق علاقاته مع المنطقة والاستفادة من الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها، من حيث إمدادات الطاقة والمواد الخام الهامة وممرات النقل الجديدة التي لا تعتمد على روسيا (أو ما بات ما يسمى الممر الأوسط أو الممر العابر لبحر قزوين).

في حين وصف رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي شارل ميشيل خلال زيارته الأخيرة إلى أستانا أن كازاخستان تعتبر "محور ربط النقل الإقليمي بين الشرق والغرب"، وأهم شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في آسيا الوسطى. بالفعل تعد كازاخستان منتجا رئيسيا للطاقة ومكونا حاسما في الحزام والطريق الصيني، وهي أكبر دولة جغرافيا في المنطقة ويصل عدد سكانها إلى نحو 20 مليون نسمة، ولكن مساحتها تبلغ خمسة أضعاف مساحة فرنسا.

وفي المقابل، يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لكازاخستان، كما أنها تعد مصدرا رئيسيا لواردات النفط (حوالي 8% من إجمالي واردات الاتحاد الاوروبي) وأيضا موردا رئيسيا للغاز واليورانيوم والمواد الخام الهامة الأخرى. ويمكن لدولة مثل كازاخستان أن تستفيد كذلك من المبادرة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي بقيمة 300 مليار يورو لمنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية.

مع ذلك ينبغي القول إن كازاخستان والتي تعتبر ضمن المنطق الجيوستراتيجي "دولة حبيسة" ليس لديها خيار سوى الحفاظ على روابط جيدة مع جارتها الأكبر. ولعل الإستراتيجية التي تدعو إلى إجبار كازاخستان على الاختيار بين روسيا والغرب قد تكون ذات عواقب خطيرة، وقد تؤدي إلى صراع محتمل يزعزع استقرار البلاد ويضر بمصالح أكبر الشركاء التجاريين لكازاخستان، وهم على التوالي، الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين.

حدود كازاخستان الجغرافية مع روسيا طويلة وتبلغ 7644 كيلومترا، كما أن معظم التقديرات تشير إلى أن نحو 20% من سكانها يتحدرون من أصول روسية (اللغة الروسية أيضا رسمية)، وكذلك تمر معظم صادراتها من النفط وأكثر من نصف تجارتها عبر الموانئ الروسية.

وعلى الرغم من أن هناك طرق تصدير أخرى للنفط الكازاخستاني عبر ميناء باكو، أو عبر خط أنابيب إلى الصين، أوعن طريق السكك الحديدية إلى أوزبكستان، لكن توسيعها يحتاج إلى استثمارات ضخمة، ومشاركة شركات أجنبية، وسنوات طويلة من العمل.

وينبغي التذكير هنا أن كازاخستان شهدت أكبر اضطرابات في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي في يناير/كانون الثاني 2022، وساعدت قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا الحكومة على استعادة النظام، ومن المحتمل أن يؤدي عدم الاستقرار في المستقبل، مثل تجدد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، إلى جعل كازاخستان نقطة اشتعال أخرى في العلاقات بين روسيا والغرب أو العلاقات بين الصين والغرب.

من الواضح أن كازاخستان تسير على حبل مشدود بين روسيا والصين والغرب في الوقت الحالي، لكنها تدرك أن التعهدات المتبادلة من جانب الصين وروسيا باحترام المصالح الأساسية لبعضهما البعض في المنطقة، ساهمت بشكل كبير في منع حدوث اضطرابات أكبر في المنطقة، مع ذلك، فقد أثبتت تجربة أوكرانيا أنه لا يبقى شيء على حاله، وأن الأمور قد تنقلب بين عشية وضحاها.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com