خيرة الشيباني
خيرة الشيباني

على شفير الهاوية

"إنه قرن الحربين العالميتين، وقرن هيروشيما"، هكذا نتحدث عادة عن القرن العشرين عندما يتعلق الأمر بالنظر إليه من جهة العنف الذي ساده، والخسائر المهولة التي تكبدتها الإنسانية خلال مائة عام..

لكن من النادر، كما يقول الباحث البولندي ريشارد كابوشينسكي، أن نتحدث عن هذا القرن بأنه قرن عمليات الإبادة الجماعية، التي اقترفت في حق شعوب ومجموعات ثقافية وأقليات أُريد لها أن تُقصى من دائرة التقدم والقوة والعنفوان الحضاري التي تتحرك في إطارها الجهات الفاعلة التي أعدت لعمليات الإبادة هذه.

في دراسته المعنونة بـ"قرن من البربرية.. في طبيعة عمليات الإبادة العنصرية"، يتساءل المؤلف البولندي إن كان علينا أن نكتفي فقط بالقراءة الأكثر تعمقا للمؤرخين لهذه اللحظات الفارقة من تاريخ ذاكرة الشر الإنسانية، بالنظر إليها كلحظات انفجار للمكبوت اللاعقلاني للإنسانية، مكبوت عصي على الفهم والتفسير، فتعمل على نسيانها وتحويلها إلى مجرد وقائع وتواريخ لا تقطر دما، ولا تطلق أنات استغاثة.

بديلا عن هذه القراءة، يتسلح كابوشينسكي فلسفياً بمفكرين من أمثال حنة آرنت، ووالتر لاكور، ليذهب إلى القول إن الإنسانية تندفع للعنف الجماعي عندما تظهر القطيعة بين الثقافي والمقدس أو تتلاشى العلاقة بينهما تماما، أي عندما يضعف المُقوم الروحي لثقافة ما، وتفتُر تلك الحساسية تجاه الشر وتخمد تلك النوازع لرده أو حتى التنديد به..

إلا أن الباحث يضيف أن هذا ليس كافيا لتفسير تلك الوقائع الدامية التي اخترقت تاريخنا المعاصر، حيث يعزوها إلى إيديولوجية الكراهية التي تسلحت بها الأنظمة الشمولية، مثل النازية وغيرها، والتي استغلت ذلك الضعف الذي يمثله استعداد الإنسان لكراهية الآخر والتفرد بحب الذات، مضيفا أنه كلما كان عدم المساواة بين أطراف الإنسانية مفقودا، كانت الرغبة في ارتكاب الشر أكثر استحكاما؛ لأن الرادع الأخلاقي يكون معدوما.

تساءلت وأنا أتابع أشغال قمة شرم الشيخ للمناخ، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، إن لم يكن توصيف ريشارد كابوشينسكي للقرن العشرين منطبقا تماما على قرننا هذا الواحد والعشرين، الذي تتقدم فيه أزمة الاحتباس الحراري على كل الأزمات العالمية الأخرى، وإن لم تكن الإنسانية على حافة إبادة جماعية متعمدة، طالما أن نُذُر هذه الكارثة تأتي من جهات دولية وحكومية، ومن دوائر علمية متخصصة..

كما تساءلت إذا ما كانت للمؤلف فرصة أن يطلق على هذا القرن عنوانا ألا يكون هذا العنوان هو "الإبادة المناخية"، طالما أن الدول المتسببة في هذه الكارثة التي ستقود لاستحالة العيش على كوكب الأرض هي الدول المتقدمة التي تمسك في قبضتها بمصير بقية بلدان العالم، مهما ارتفع حس السيادة الوطنية لدى هذه الأخيرة، ومهما غالبت في كسر طوق العالم الحر الذي تجد نفسها مكبلة به.

إن ارتفاع درجة حرارة الأرض بدرجة أو درجتين خلال العقد القادم أو الذي يليه من قرننا هذا؛ بسبب الاستعمال المفرط للوقود الأحفوري أساسا من قبل صناعات الدول المتقدمة، واستتباعاته على التغير المناخي، لن يكون سببا فقط في مزيد من الفيضانات وحرائق الغابات وتآكل السواحل وجفاف الأرض والتصحر، بل في فقدان الأمن الغذائي خاصة للدول الضحايا وعلى رأسها الدول الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وانعكاسات ذلك على الاستقرار السياسي..

ويكفي في هذا المجال أن نستحضر أن من أسباب الحراك الاجتماعي الذي عرفته بلدان عربية خلال العشرية الماضية، وقد أطلق عليه "ثورة الخبز"، هو الاختلال البيئي الذي عرفته هذه الدول بسبب الجفاف وندرة المياه، وما أدى إليه من نزوح سكان الأرياف للمدن وتراكم المشاكل الاجتماعية، نظرا لبطالة هؤلاء النازحين وفقدانهم لموارد عيش تحفظ لهم كرامة العيش.

 ولا يقتصر أمر "أضرار وخسائر" ضحايا التغير المناخي على البُعد السياسي واستقرار عيش المواطنين ولا على الأمن الغذائي للمجموعة السكانية العالمية، بل إن الأمر يصل حتى إلى ما يدرسه علم الاجتماع من ظاهرة محايثة لهذه الأضرار، مثل تدني مكانة المرأة وارتفاع العنف المسلط عليها، حيث تشير بحوث كلفة التغير المناخي إلى تزايد اللامساواة المرتبطة بالجنس، فعلى سبيل المثال يعتبر التزود بالمياه وبحطب التدفئة مهمة نسائية حصريا، ومع ندرة هذه المواد تضطر النساء إلى الذهاب أبعد للحصول عليها، وهو ما يزيدها مشقة ويجعلها عرضة للاعتداءات.

كذلك يؤدي تدهور الأحوال المعيشية للأسر المتضررة من آثار أضرار التغير المناخي إلى الانقطاع القسري للفتيات الصغيرات عن الدراسة، وما يتسبب ذلك من آثار على مستقبلهن، هذا فضلا عن آثار التغير المناخي على الفئات الهشة، مثل الأطفال والعجز واللاجئين.. إلخ.

إن مطلب "العدالة المناخية" كان يجب أن يكون قويا في القمة قوة مطلب التعويض عن "الأضرار والخسائر" وتمويل التكيف مع ما خلفه التغيير المناخي من دمار، وهذا المطلب هو مطلب أخلاقي قبل أن يكون سياسيا، تقتضيه القيم المشتركة التي تتقاسمها الشعوب والحكومات، مطلب كفيل بأن يساعد في تحقيق "اللحظة الفارقة" التي أرادت مصر أن تحققها القمة، فتنتشل المجموعة الدولية الإنسانية من هاوية تقف الآن على شفيرها وتحفظها من الاندثار.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com