مرآة الخمير الحمر
مرآة الخمير الحمرمرآة الخمير الحمر

مرآة الخمير الحمر

خلال جلسة محاكمته الأخيرة، بدا خيو سامفان وديعا للغاية، مسالما مثل أي جد فقد سمعه ورغبته في الحياة، مكتفيا من مكانه البعيد على كرسيه المتحرك، بمراقبة ذريته صامتا؛ وربما تساءل مَن لا يعرفه، عن سبب قسوة البشر التي وضعت هذا الجد المسكين وهو على مشارف الموت، تحت سياط الكاميرات وعرضته للفرجة خلف القضبان، وقد تجاوز عمره 90 عاما.

في طلب الاستئناف الذي قدمه أمام المحكمة، أنكر سامفان مسؤوليته عن المجازر التي ارتكبها نظام الخمير الحمر في كمبوديا، رغم شغله منصب رئيس جمهورية كمبوديا الديمقراطية بين 1975و 1979، وبلغ به الهذيان حد القول إن الخمير الحمر كانوا مجرد حركة سياسية تهدف إلى تحسين حياة الكمبوديين!.

المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة والتي بلغت كلفتها أكثر من 330 مليون دولار، لم تأخذ بحجج آخر شخصية بارزة، حية، في نظام الخمير الحمر، وأصدرت قرارها النهائي بتثبيت حكم السجن مدى الحياة بحق سامفان، وسط فرحة مئات الأشخاص في قاعة المحكمة، ومن بينهم ناجون من نظام الرعب السابق.

نظام الخمير الحمر الذي وصفه سامفان بأنه "مجرد حركة سياسية تهدف إلى تحسين حياة الكمبوديين"، بذل جهدا هائلا بالفعل لتحقيق هذه الغاية، ولم يقتل سوى ربع سكان البلاد خلال أربعة أعوام، بمعدل نصف مليون شخص سنويا، مع هامش خطأ ضئيل في التقديرات السنوية، لا يتعدى 100 ألف قتيل!.

الغائب الحاضر في محاكمة سامفان كان بول بوت أو" الأخ رقم واحد"، الذي توفي في العام 1998، بعد 19 عاما من استيلاء الجيش الفيتنامي على العاصمة الكمبودبة بنوم بنه، مكتفيا خلال حكم الخمير الحمر بمنصب متواضع هو رئيس وزراء كمبوديا الديمقراطية، ليتفرغ لرسالته في التثقيف والتهذيب والإصلاح وبناء الشيوعية الزراعية الصافية عبر حوار، أودى بالكاد، بحياة ربع السكان!.

اعتقلت أجهزة الخمير الحمر وعذبت وقتلت كل مشتبه بانتمائه إلى طائفة "الأعداء"، وهذا شمل أي شخص له صلة بالنظام السابق أو جهة خارجية، وطال أصحاب المهن والحرف والمثقفين ومن يتقنون اللغات الأجنبية، ولم يشفع لهذه الفئة الأخيرة دراسة معظم قادة الحركة في فرنسا، ومنهم بول بوت الذي أتقن لغتها وقيل إنه كان من عشاق الأدب الفرنسي!.

سلط الخمير الحمر، بتوجيهات من "الأخ رقم واحد"، غضبهم على سكان المدن وأعدموا كل عاجز عن العمل الزراعي بتهمة تخريب الاقتصاد، واستخدموا الفؤوس لتوفير الرصاص، وهم يبيدون الأقلية الفيتنامية والمسيحيين والمسلمين والكهنة البوذيين في عشرات حقول الإعدام، دون أن يفوتهم الاستناد إلى مادة دستورية تمجد "حرية الاعتقاد"، لكنها تنص أيضا على أن "اتباع الأديان الرجعية التي تضر بالدولة أو بالشعب الكمبودي ممنوع منعا باتا"!.

بعد محاكمة سامفان، صرح نائب رئيس الوزراء الكمبودي بن شين بأن "المحكمة معترف بها دوليا كنموذج للدول الأخرى التي تتطلع إلى محاكمة قضايا بعد حروب أو نزاعات داخلية"، فيما قال أحد المدعين العامين، كما قال من قبله مدعون عامون في محاكمات نورنبيرغ، وبعدها في محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة، إنه "لا يمكن لأي محكمة أن تحقق العدالة الكاملة لمثل هذه الفضائع الهائلة، لكن المحكمة أسهمت في التحرك العالمي ضد الإفلات من العقاب لمرتكبي الفظائع الجماعية"، حقا؟!.. فلننظر حولنا!.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com