أمة إجابة وأمة دعوة
أمة إجابة وأمة دعوةأمة إجابة وأمة دعوة

أمة إجابة وأمة دعوة

الفخر الرازي، أحد العلماء السابقين، قدَّم وجهة نظر تخالف اصطلاح الفقهاء في تقسيم البلاد إلى دار إسلام ودار حرب، وهو رأي وجيه وأكثر انسجامًا مع عالمية الإسلام وانتشاره اليوم في العالم.

وتضمن رأيه في التفسير تجاوز قسمة الفقهاء لقسمة تنسجم وفاعلية الإسلام وعالميته، بأن تكون الأرض دار إسلام، ودار دعوة؛ فدار الإسلام التي يدين أكثر أهلها بالإسلام، وتعلو فيها كلمة الله، ودار دعوة وهي التي يُبلّغ الإسلام فيها، وأن أمم الأرض وشعوبها أمّتان، أمة إجابة وهي الأمة المسلمة، وأمة دعوة وهي سائر الأمم.

ومن البداهة أن إبلاغ الإسلام لغير المسلمين على هذا النحو لن يكون في حالة قتال وعداء، بل حال سلم وما يندرج تحته من تفاصيل كالرفق، والقول اللين، والموعظة الحسنة، والجدال، والحوار بالتي هي أحسن، مع الصفح والعفو، وتحمل الأذى والصبر، فذلك هو الأداة التي يتعين العمل بها لقيام الأمة الإسلامية بإبلاغ الدين لغير المسلمين سلمًا، وهذا يجعل أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم قائمة على التعايش السلمي، والتعاون الموصوف بالبر والتقوى، والإقساط إليهم، والشفقة والرحمة بهم.

لأن مفهوم الأمة في الدين لا يرتبط بالكم البشري أو الحيز الجغرافي خاصة بعد أن أظهر الله الإسلام وأتمه، وانقطعت الهجرة بعد فتح مكة، فالأمة ترتبط بالدين الحق ولو كانوا قلة، ولذلك استحق إبراهيم -عليه السلام- كونه أمة لقنوته لله، وشكره لأنعمهن كما قال تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكُ من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم).

فدار الإسلام كل أرض أمِن فيها المسلم على إظهار دينه، ولو عاش ضمن أكثرية غير مسلمة، ودار الكفر كل أرض لا يأمن فيها المسلم على إظهار دينه ولو انتمى جل أهلها إلى الإسلام.

وذكر ابن حجر عن الماوردي ذلك المعنى فقال: (إذا قدر المسلم على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يترجى من دخول غيره في الإسلام)، فاعتبر الإقامة في دار كفر أفضل من الرحلة منها إذا قدر المسلم على إظهار دينه فيها، وعدَّ ذلك أولى من الإقامة في دار الإسلام بل قد صارت به دار إسلام؛ لما في ذلك من جذب الناس للإسلام، وبيان محاسنه لهم، ولو بالتعايش السلمي فقط.

وهذا الفهم تؤيده المبادئ العامة السلمية للإسلام المؤسسة للمساواة، والعدل، والحرية، ووحدة الإنسانية، والبُعد العالمي الذي يميز الإسلام وغاياته الإنسانية السامية ومقاصده المنصوص عليها، ومنها قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فتقسيم العالم إلى فسطاطين لا ينسجم مع هذا كله، والأصل عدم القسمة، فإن الأرض لله ولرسوله.

وبهذا، يتأكد القول إن أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم وليس الحرب، وإن الاجتهادات الفقهية بذلك التقسيم تظل اجتهادات لا تناسب الواقع المعاصر، اليوم، فضلًا عن قصورها في رعاية التنوع العالمي داخل المنظومة الإنسانية الواحدة، وتجاوز ذلك التقسيم الثنائي للعالمية سيحل الكثير من مشكلات الإسلام، وأزمات المسلمين في عالمنا المعاصر.

وإسلام الدعوة لا يتعارض مع هذا التوجه، أما التقسيم الفقهي التراثي الثنائي فيكرس العزلة، ويزيد الإشكالات التي لا تتوافق مع السلم المجتمعي، واتباع الحكمة في الدعوة.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com