طعنة نجلاء في عنق السؤال
طعنة نجلاء في عنق السؤالطعنة نجلاء في عنق السؤال

طعنة نجلاء في عنق السؤال

لربما أن الطعنة الإحيائية التي تلقتها رواية "آيات شيطانية" للكاتب البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي ستدفع به إلى مضمار يقترب كثيرا من محيط دائرة ترشيحات جائزة نوبل للآداب للأعوام المقبلة.

رغم أن القرّاء الجُدد لروايته هذه، أو لنقل ضحايا طعنة عنقه – وبعد أن تصلهم عبر بريد أمازون- سيدركون ضعفها الفني وتلعثمها الإبداعي، وأنها أقل من عادية لا ترقى إلى حجم هالة لفتها منذ فتوى المرشد الإيراني آية الله الخميني نهاية ثمانينيات القرن الماضي بهدر دم كاتبها، بل وسيلمح هؤلاء أن كاتبها لربما كان مدركا أن حصوله على مثل تلك الفتوى القاتلة يعدّ حياة ثرية له ولكتبه. وهو ما كان.

في اليومين التاليين لعملية الطعن الغبية، سجّل موقع أمازون زيادة كبيرة في الطلبات على الرواية، فيما أفادت مكتبة "ستراند بوكستور" النيويوركية أن الناس يأتون لرؤية ما كتبه رشدي والاستعلام عمّا يخصّه في مخازنها.

فمنذ أن خمدت نيران قضية هدر دمه - على الأقل الظاهرة للعيان منها- قبل أكثر من عشرين عاما وهو يعيش حياة متوارية في النيويورك دون أن يتوقع أن طعنة نجلاء جديدة له ستكون قادرة على إعادة ذكره، ودفع روايته إلى قائمة الكتب الأكثر طلبا، حتى لا نقول الأكثر قراءة.. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم.

سيعود قلة من القراء إلى حكاية تلك الآيات المزعومة المتكأ عليها، وسيقرؤون بحصافة عنها في كتب التاريخ قبل التورط بطلب الرواية، فليس كل قضية تستحق أن تلج عالم الرواية الذي من المفترض أن يقدم جديدا للحياة ويخصّب خيال الناس ويعدّد حيواتهم، بل إن بعضا من الكتّاب الدهاة العارفين بأسرار كسر التابوهات والمتقنين لفنون اللعب على حبال التحريم والتجريم يتقصدون "دهلزة" روايتهم في شعاب تلك المنطقة الغائمة لركوب أمواج المنع والتجريم علها توصلهم إلى جزر الثراء والشهرة غير المستحقة.

الكثرة الكاثرة من القراء المهوسين بالفضائح، وممن يقيمون صروح قناعاتهم على ظلال الأشياء وآراء الآخرين سيحاولون الحصول على الرواية، ولو بسعر عال مدفوعين بفضول لن يقدم لهم جديدا، ولن يخمد فيهم جذوة شغف لعالم مختلف يرنون إليه.

حين نقف على ضفاف نظريات المؤامرة المنتعشة في هذه الأجواء ونستعرض صحفا إيرانية ترى الحادثة مؤامرة أمريكية لتعطيل الاتفاق النووي، وأن آخرين يرونها مؤامرة على الإسلام والمسلمين بسكين شاب مسلم لم يتسنّ له قراءة الرواية، أو أنه اكتفى بقراءة تحريمها وتجريم كاتبها. فيما سيوغل البعض بالقول إنها مؤامرة للكاتب عله يجدد ربيعه في خريف العمر.

يبدو أن القابعين خلف أوهامهم والمتمترسين وراء فتاويهم البائسة لم يتعلموا أن العمل الأدبي يظل بحجمه الطبيعي دون تمدد أو تعدد طالما سكت خصوم صاحبه عنه، ولم يمنحوه موجات عاليه يركبها من التلويح بالقتل والمحاكمة.

ويبدو أيضا أن الحمقى ما زالوا يؤمنون أن الفكرة تواجه بالسيف، لا بكلمة أو فكرة مثلها. ويدبو أنهم ما زالوا يعتقدون أن العالم ضيق لا يتسع لخلاف بين مسألتين.

بعيدا عن كل ذلك يبقى السؤال مفتوحا كجرح قاطع في العنق: من ذا الذي غسل دماغ شاب ولد في أمريكيا وحيا حياتها طولا وعرضا؟ من ذلك الذي دفعه ليؤذي دينه بهذا الشكل البليغ؟ وما نوع المحلول المستخدم في عملية الغسيل؟

إرم نيوز
www.eremnews.com