روسيا وتركيا.. الاقتصاد أولًا
روسيا وتركيا.. الاقتصاد أولًاروسيا وتركيا.. الاقتصاد أولًا

روسيا وتركيا.. الاقتصاد أولًا

التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التركي رجب طيب أردوغان في مدينة سوتشي الروسية، مؤخرًا، للمرة الثانية خلال أكثر من أسبوعين، بعد أن ساعدت تركيا في التوسط في صفقة لاستئناف صادرات الحبوب في البحر الأسود الأوكرانية التي أعاقتها الحرب هناك.

ورغم انتقاد تركيا الغزو الروسي، إلا أن أنقرة لم تنضم لعقوبات الدول الغربية ضد روسيا.

وفرضت التداعيات الكارثية للحرب في أوكرانيا واقعًا اقتصاديًا جديدًا يدفع البلدين نحو التقارب والتعاون، وقد بدا ذلك واضحًا في البيان الذي صدر بعد لقاء سوتشي، حيث تعهد الرئيسان بتعميق العلاقات الاقتصادية بين بلديهما.

وهنا يمكن القول إن العلاقات الاقتصادية والتجارية تشكل القوة الدافعة وراء العلاقات التركية الروسية.

وطبقًا للأرقام الرسمية التركية، احتلت روسيا ثالث أكبر شريك تجاري (بعد الاتحاد الأوروبي والصين) لتركيا، خلال العام الماضي، في حين تجاوز حجم التجارة بين الدولتين 34.7 مليار دولار أمريكي في العام 2021.

وتمثل الطاقة أحد أهم عناصر العلاقات بين تركيا وروسيا، حيث تشير أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الوقود الأحفوري لا يزال يمثل العمود الفقري للاقتصاد التركي، وسط اعتماد شبه تام على الواردات، خاصة النفط والغاز (93% و99% على التوالي).

وتعد روسيا مصدرًا مهمًا لإمدادات الطاقة لتركيا، حيث وفرت ربع الواردات من النفط الخام، وحوالي 45% من مشترياتها من الغاز الطبيعي في العام الماضي.

كما تعتمد تركيا بشكل كبير على موسكو للحصول على الحبوب، حيث استحوذت روسيا على 56% من واردات الحبوب التركية، في العام 2021، في حين تعد روسيا أكبر مورد للحديد والصلب والألمنيوم إلى تركيا.

علاوة على ذلك، روسيا كانت أكبر سوق سياحي منفرد في تركيا خلال السنوات الأخيرة، حيث جذبت تركيا، العام الماضي، 4.7 مليون سائح روسي، أو نحو 20% من إجمالي عدد السياح، وفقًا لوزارة الثقافة والسياحة التركية.

لكن رغم هذه الخلفية الاقتصادية المتفائلة، أدت العقوبات الغربية إلى عزل الاقتصاد الروسي إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي، وتركته يكافح لاستبدال السلع المستوردة المحظورة أو لإيجاد أسواق لصادراته من الطاقة.

في الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد التركي يعاني من عدم الاستقرار، ومن خلل تجاري كبير ناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، بينما صعد معدل التضخم إلى 80% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى له منذ 24 عامًا، في حين يقترب سعر الدولار مقابل الليرة التركية من أعلى مستوياته على الإطلاق.

ومع ذلك، وفرت الأزمة أيضًا بعض الفرص المحتملة، فقد قال أردوغان إنه خلال اجتماعه بوتين في سوتشي، يوم الجمعة، إن البلدين توصلا إلى اتفاق لبدء استخدام الروبل في التجارة الثنائية.

وهذه الآلية في حال تطبيقها قد تسمح لتركيا باستخدام الليرة لواردات الطاقة، ما يوفر المزيد من احتياطياتها من النقد الأجنبي، وكذلك الدعم لليرة المترنحة، في حين يمكن أن تستخدم موسكو لاحقًا أي مدفوعات بالعملة التركية لتمويل مشتريات روسيا من الشركات التركية.

وفي هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية بين روسيا وتركيا، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، تجاوز إجمالي التجارة بين البلدين للعام 2021 بأكمله، كما ارتفعت الصادرات التركية إلى روسيا خلال تلك الأشهر السبعة 595 مليون دولار مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، في حين سجلت روسيا فائضًا تجاريًا بلغ نحو 28.5 مليار دولار للفترة ذاتها بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة التركية.

وبناءً على ذلك، قد يبدو التحول إلى المدفوعات بالعملة المحلية أمرًا منطقيًا لكلا البلدين.

من وجهة النظر الروسية، هذا يعني بشكل أساس أن المصدّرين الروس قد يتجنبون العقوبات الغربية بشكل أو آخر، بينما قد يشكل هذا بالنسبة لتركيا ضغطًا أقل على الليرة لأنها ستكون قادرة على تمويل جزء من عجزها التجاري الخارجي بالعملة الوطنية.

من جانب آخر، تستغل المصافي التركية التخفيضات التي تقدمها شركات النفط الروسية، حيث ظهرت أحدث الإحصاءات الرسمية أن تركيا استوردت 246 ألف برميل يوميًا من الخام الروسي، في أبريل/نيسان، أي 3 أضعاف أحجام مارس/آذار، وأعلى رقم شهري منذ العام 2019.

بينما تشير بيانات أوردتها نشرة "ميس" الاقتصادية إلى زيادة أخرى في الأحجام الروسية لتسجل أرقامًا تزيد على 300 ألف برميل في اليوم لشهري مايو/آيار ويونيو/حزيران.

كما تتصاعد الآمال التركية بأن تساهم العقوبات الغربية والمشاعر المعادية لروسيا في أوروبا، عام 2022، بعودة السياح الروس الى تركيا.

هنا قدرت أرقام رسمية تركية أن عدد الزوار الوافدين، في النصف الأول من عام 2022، بلغ 19.5 مليون زائر (16.4 مليون زائر أجنبي و3.2 مليون تركي غير مقيم)، بزيادة قدرها 158% مقارنة بالعام السابق، استحوذت روسيا على 9% ، بزيادة سنوية قدرها 95%

في المقابل، هناك محاولات من قبل منتجي المعادن والورق والدواجن الأتراك، والعديد من المصنعين، وتجار التجزئة الآخرين، وحتى دور الأزياء التركية، لسد الفجوات التي خلفتها الأسواق الروسية بسبب رحيل العلامات التجارية الغربية.

وهناك بعض الأدلة على أن الروس ينقلون الأصول إلى تركيا كملاذ آمن، فمنذ غزو أوكرانيا، قام المزيد من الروس بفتح حسابات مصرفية، وإنشاء شركات، وشراء عقارات في تركيا.

في الجبهة الأخرى، تتزايد المخاوف في كل من الغرب وأوكرانيا من أن موسكو تسعى للحصول على مساعدة تركيا في تجاوز العقوبات المفروضة على قطاعات البنوك، والطاقة، والصناعة، والتي تتزايد مع مرور الوقت.

وهنا حذرت واشنطن -مرارًا وتكرارًا- من أنها ستفرض على الدول التي تساعد روسيا على التهرب من العقوبات "عقوبات ثانوية".

وفي المحصلة، هذا الوضع من المؤكد أنه سيدفع تركيا للتحرك ضمن توازنات دقيقة تراعي من خلالها مصالحها الاقتصادية الكبيرة مع روسيا، وتتجنب إثارة غضب واشنطن وبروكسل، واحتمالات فرض عقوبات توجه ضربات موجعة للاقتصاد التركي الذي يترنح أصلًا تحت وطأة التضخم.

إرم نيوز
www.eremnews.com