اتجاهات

تسييس حلاقة الشارب والرأس

مصطفى أبو لبدة

مصطفى أبو لبدة

صحفي وروائي

+A -A
تاريخ النشر: 07 يوليو 2022 5:28 GMT

لشدّة تعقيد التركيبة العراقية، فإن المقاييس العلمية لاستقرار الدولة، كما هي معتمدة عالمياً، يصعب تطبيقها عليه.. وحتى عندما تُطبّق تؤخذ بتحفُّظ. مجلة

لشدّة تعقيد التركيبة العراقية، فإن المقاييس العلمية لاستقرار الدولة، كما هي معتمدة عالمياً، يصعب تطبيقها عليه.. وحتى عندما تُطبّق تؤخذ بتحفُّظ.

مجلة ”إيكونوميست“ البريطانية أضافت الأسبوع الماضي لمعايير الاستقرار في العراق مؤشرا غير مسبوق، وهو تربية الشوارب الرجالية أو حلقها.

لاحظ مراسلها أن عدداً متزايداً من الشباب العراقي أصبحوا أقل حرصاً على محاكاة ملامح وجوه آبائهم وأجدادهم، أو على إظهار الولاء لطائفة معيّنة..

تخلّوا عن تربية الشارب لأسباب وصفتها الصحيفة بأنها تتعلق بالأناقة وليس لأسباب أمنية، ورأت في ذلك علامة على أن العراق تغيّر وأصبحت حياته طبيعية أكثر، بالمقارنة مع العقود القليلة الماضية.

طريفٌ، ذكي ولافت، هذا المعيار لاستقرار العراق، كما سجّلته مجلةٌ توصف بأنها واحدة من صفوة الصحف التي احتفظت بمواصفات وأخلاقيات مهنة الإعلام.

قالت إن الشارب الذي يمكن أن يكون مصدر فخرٍ عشائري أو توصيفٍ مذهبي وطائفي، كان إلى وقت قريب في العراق شعرة تفصل بين الحياة والموت.

استذكر التقرير كيف أن شكل الشارب في عهد الرئيس صدام حسين كان كلمة السر التي يستخدمها مريدو النظام في تقليدهم للشارب الأسود السميك للرئيس.

ولذلك انتهى عهد صدام، لكن بقي الرجال ذوو الشوارب يعممون من أشكال وجوههم انطباعا بأنهم يعملون في المخابرات أو الجيش.

وترتب على ذلك أن فترة العنف التي أعقبت سقوط نظام صدام شهدت عزوفا من الشباب عن تربية شواربهم تلافياً للمشاكل الأمنية.. حلقوها على مضض، حتى إذا عادوا الآن لتربيتها فقد عمموا انطباعا قرأت فيه ”إيكونوميست“ أن البلد بات فعلاً ينعم بالاستقرار النسبي.

أعطى التقرير أمثلة أخرى على المشاكل الأمنية التي كان يثيرها شعْرُ الوجه في العراق خلال العقدين الماضيين، مِن زاوية أنه يؤشر على درجة تديّنهم أو على طائفتهم..

فالسلفيون يربّون اللحية الكثيفة ويحلقون الشارب، أما الشيعة فإن شعر وجوههم يأخذ شكل الخط الأنيق الذي يمتد من الأذن الى الفم مع حلق الذقن.

وفي المقابل فإن الشوارب الكثيفة المتدلية هي علامة لطوائف الإيزيديين والكاكاي والأقليات التوفيقية، ما جعلهم في وقت من الأوقات هدفاً سهلاً للإبادة الجماعية من طرف تنظيمات داعش والقاعدة.

وحتى عندما اندمجت المليشيات الشيعية المعروفة باسم الحشد الشعبي ضمن الجيش النظامي، ظلّ أفرادها يربّون لحاهم رغم قوانين القوات المسلحة التي تمنع ذلك، استمروا بإطلاقها تأكيداً على الولاء الطائفي، فصار الشاب العراقي يعرف تلقائياً أنه يقف في نقطة تفتيش تابعة للحشد الشعبي بمجرد أن يكون الواقف عند الحاجز رجلاً مُلتحياً.

وتخلص ”إيكونومست“ من هذا الرصد لدلالات شعر الوجه في العراق، الى القول بأن البلد بات الآن أكثر استقراراً بدليل أن الشباب تخلّوا عن تربية الشوارب، وأنهم فعلوا ذلك لأسباب ليست أمنية بقدر ما تتعلق بالأناقة.

كمْ مِنْ هذه المعايير الذكية للاستقرار الاجتماعي والسياسي في العراق اعتماداً على تربية الشباب شعر الوجه أو حلقهم له، يجوز تعميمه على مجتمعات عربية مجاورة سجّلت هي الأخرى ظواهر جدلية قابلة للقياس؟

مثالا على ذلك، ارتفاع نسبة حلق شعر الرأس إلى الحد الذي أصبحت فيه الصلعة الشبابية ظاهرة اجتماعية تثريها أدبيات سيكولوجية وسياسية ووظيفة متماسكة ومتوسعة.

في الأردن، على سبيل المثال، وقد أصبح للصلعان رابطة لعلها الأولى من نوعها في العالم، باتت حلاقة الرأس بالنسبة للشباب علامة على فرز طبقي له ثقافته الخلافية..

يسمّون الصلعة ”قَصّة الشّعْر التي تهمس بالقوة“، وهم في ذلك يستحضرون رموزاً عالمية جمعت صورتها بين الرأس المحلوقة والتنفّذ المالي أو السياسي أو التقني، مع صورة تنفذها المالي أو التقني، ومنهم رئيس شركة أمازون، جيف بيزوس، ومايكل جوردان أسطورة كرة السلة، والممثل بروس ويليس، ولويد بلانكفين رئيس مجلس إدارة غولدمان ساكس، وقبلهم في مجال السياسة شخصيات اشتهرت بصلعتها مثل ونستون تشرشل وغاندي ولينين وصولاً إلى فلاديمير بوتين.

عندما نشأت طبقة حليقي الرأس في الأردن، قبل بضع سنوات، أخذت شكل موجة من البيروقراطية السياسية اعتماداً على زمالات في الجامعات الأمريكية كانت تُنظّر بليبرالية اقتصادية هجينة أحدثت لدى التطبيق خللاً عميقاً لم يبارح السوق أو الذاكرة.

رافق فترة التنفّذ السياسي لحليقي الرأس في الأردن، ترويج ثقافي للصلعة بأنها ترسل انطباعاً جامحاً بالذكورة، فضلا عما تعممه من جاذبية السلطة والهيمنة.

جرى في حينه إغراق الإعلام الموازي بمستخلصات لدراسة أكاديمية أجريت في جامعة بنسلفانيا عام 2012 كانت أظهرت أن الرجال الذين يأخذون زمام المبادرة بحلق رؤوسهم طواعية يعممون عن أنفسهم انطباعات بالجرأة والهيمنة والثقافة، وهي صفات تفوق في تأثيرها الإيجابي ما يخسره حليق الرأس من جماليات الشَّعْر.

دراسة سيكولوجية أخرى من جامعة باري تعود إلى 2004، وجدت في الأردن من يعممها تقول إن الصلعة تمنح الرجل شيئاً لا تملكه المرأة، وهو ما يعني أن حلق الرأس خاصية ٌذكورية تعمل كإشارة شبقية فصيحة.
جيّدٌ أن يكون في مجريات الحياة اليومية بالدول العربية ما يتجاوز الضخ اليومي الموصول من الأخبار البائسة.. حتى لو كان حديثاً عن إيحاءات حلاقة الشوارب في العراق وحلق الرأس في الأردن.

أعجبني أن وزيراً سابقاً في الأردن من المحسوبين على حليقي الرأس وهم الذين تعرضوا للإقصاء الاجتماعي والسياسي، اختار بجرأة أن يعرّف بنفسه على صفحته في تويتر بأنه ”أصلع، ليبرالي، رقمي، وفخورٌ بذلك“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك