اتجاهات

الحقوا ثمة حرب على بعد مجرتين

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 04 يوليو 2022 20:37 GMT

أردتُ ذات طفولة مشاغبة اختبار صدق قصة الغراب الذي أضاع مشيته الأولى، بعد فشله بتقليد مشية طائر الحجل، فكمنت في مكان تأتيه عادة بعض الغربان عند الغروب، وما هي

أردتُ ذات طفولة مشاغبة اختبار صدق قصة الغراب الذي أضاع مشيته الأولى، بعد فشله بتقليد مشية طائر الحجل، فكمنت في مكان تأتيه عادة بعض الغربان عند الغروب، وما هي إلا دقائق حتى حطَّ واحد منها، وراح يتلعثم في مشية خرقاء متقصّعة، لا تقارب نغمات المشية الأنيقة للحجل البهي الجميل، فبلعت ضحكتي الصاخبة؛ كي لا يطير، ويتركني في مهبّ السؤال.

لم يأبه بي، وقد شعرت أنه لمحني وهو يغمس رأسه في علبة معدنية صدئة، بدا أن في قعرها قليلاً من ماء المطر، دون استطاعته الوصول إليه، فما كان منه إلا أن التقط حجرا بمنقاره، وأسقطه فيها، ثم أتبعه بثان وثالث ورابع، حتى رأيت بريق وجه الماء، قبل أن يشرب مطلقا نعقتين جعلتا غراباً آخر يهرع يشاركه صيده الثمين.

تذكرت قصتي هذه أول أمس، بعد أن قرأت خبر تغلب اليابانيين على أذى الغربان سيما في نبش حاويات القمامة وبعثرتها، وإتلاف المحاصيل أو سرقة الأغراض من البيوت، من خلال تعلم لغتها، أو بالأحرى تفكيك معاني نعيقها، وقد أسندوا المهمة للباحث ”ناوكي تسوكاهارا“ المتخصص في سلوك هذه الطيور، ليخرج بنتائج مبهرة دخلت فورا حيز التطبيق.

معظم الشعوب تتشاءم من الغربان ولونها ونعيقها، ربما لأن هذه الطيور اللاحمة الجسورة القوية ذات الهيبة كانت تجد مجدها في ساحات الحروب ومواطن المجاعات؛ ولهذا صار الناس كلما رأوها تحوم في لجة سماء يخافوا حرباً قد تلد تحتها أو مجاعة ستأكل ضحاياها المعذبين..

حتى عند اليونانيين الذين عدّوا الغراب رمزا للحكمة وحلقة للوصل بين العالمين المادي والروحي، إلا أن أسطورتهم العجيبة سوّدته، ووصمته بالشؤم دون ذنب، فهو كان رسول ”أبولو“ – إله العرافة – إلى محبوبته ”كورونيس“، لكنه وحين عاد بخبر خيانتها أحرقه المرسل بعنجهية، لتصبح بعد ذلك الغربان كلها سوداء، رغم أنها تفقس في أعشاشها بيضاء من غير سوء.

في الشتاء، منعتني الحرب القائمة في أوكرانيا أن أكتب محتفيا بذكاء الغربان ونباهتها، سيما بعد أن استطاعت شركة ”كورفيد كلينينغ“ السويدية تجنيد عدد كبير منها لالتقاط بقايا السجائر عن الأرض، مقابل حصولها على قليل من الطعام من خلال آلة مصممة خصيصا لهذه الغاية، في مدينة ”سودرتاليا“ قرب العاصمة ستوكهولم.

الباحث تسوكاهارا استغل تكنولوجيا علوم الصوتيات والذكاء الاصطناعي وحدد 40 جملة ذات معنى من نعقات الغربان، مثل ”لقد وجدت الغذاء أو الماء“، و“تعالوا إنها آمنة هنا“، و ”خطر.. اهربوا من هنا“، ولهذا عمدت محافظة ”ياماجاتا“ إلى وضع مكبرات صوت بجوار أماكن تجميع القمامة مثلا، لتطلق نعيقا يقول: ”خطر خطر أهربوا من هنا“، والمدهش أنها تستجيب بسرعة وتبتعد، ولا تلوث المكان بنبشها الفوضوي.

أتمنى لو أن العالم ذات سلم وسلام يكون قادرا على أن يفكك نعيق وهوس وشغف بعض غربان الحروب وجهابذتها وتجارها. أتمنى لو كنا قادرين على إرسالهم إلى مكان بعيد عن كوكبنا الأزرق بواسطة نعيق يحبوه ويتبعوه. الحقوا ثمة حرب تتحمحم على بعد مجرتين. الحقوا بها، ولا تعودوا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك