اتجاهات

سخرية الدموع والفارس عاري الصدر

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 27 يونيو 2022 20:47 GMT

سخر الأوكرانيون من الاجتياح الروسي لبلادهم، قبل أربعة أشهر، حين حوّلوا مصنع البيرة الشهير باسم "برافدا" إلى معمل صاخب لتجهيز القنابل الزجاجية المعروفة

سخر الأوكرانيون من الاجتياح الروسي لبلادهم، قبل أربعة أشهر، حين حوّلوا مصنع البيرة الشهير باسم ”برافدا“ إلى معمل صاخب لتجهيز القنابل الزجاجية المعروفة بـ“المولوتوف“؛ تجسيدا لنواياهم الجيّاشة في المقاومة تُرجمت استبسالاً مذهلاً قتلوا به تصورات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أنهم أدنى من لقمة سائغة لذة للبالغين.

الروس، وكعادتهم في التأخر بالرد على السخرية انبجست قرائحهم قبل أيام بإصدار زجاجة من مشروبهم الكحولي الشهير ”الفودكا“ باسم ”دموع زيلينسكي“، في إشارة لتأثر الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي – الشاب القادم من عالم التمثيل الساخر إلى عالم الواقع الناحر- وهو يعبّئ شعبه والعالم لمقاومة الغزو دون قدرته على مقاومة هطل دموعه الساخنة في صفحة وجهه..

ولا أدري إن كانت تلك الدموع ستكون قادرة على بثّ خيوط الدفء في محتسيها ذات شتاء تخيب فيه الفرضيات والرهانات.

الأصل أن تقابل السخرية بسخرية توازيها في المعنى والذكاء حتى وإن عاكستها في الاتجاه. السخرية ابنة ساعتها ويفترض أن تخرج طازجة كالنكتة، وإلا تحوّلت إلى مسخ يقتل صاحبه أو يدينه..

وإلا كيف نفسر أن تتذكر الآن المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا سخرية العالم من طاولة بوتين الطويلة في لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل قيام الحرب بقليل؟

زاخاروفا نشرت صورة عبر حسابها في منصة ”تويتر“ تجمع ماكرون وزيلينسكي في لحظة عناق معلقة تحتها ”الآن فهمت لماذا كان على بوتين أن يجعل تلك الطاولة الطويلة بما يكفي بينه وبين ماكرون“.

علاوة على كون التعليق متأخراً جداً، فهو يسخّف المعنى ويشخصن الموقف، ولا يشير إلى البون الشاسع الذي مدّه بوتين بينه وبين نفسه أولاً، وبينه وبين العالم حين خبّأ نواياه وداهن فيها وراغ عليها روغان الثعالب إذ تخاف أو تجوع.

من أجل هذا لا أحد يستطيع أن يتكهّن، لا بموعد ولا بكيفية ردّ وزارة الخارجية الروسية على السخرية الصغيرة اللماحة، التي تداولها الأحد الماضي رؤساء دول مجموعة السبع على مأدبة غداء قمتهم المنعقدة في ألمانيا من صورة بوتين الملتقطة عام 2009 كان فيها ممتطيا حصاناً، وهو عاري الصدر.

السخرية جاءت على شكل سؤال يعصف بالذهن فيما إن كان عليهم أن يكتفوا بارتداء القمصان، أو ربما ما هو أقل، وهم يواجهون ذلك الفارس.

صحيح أننا لا نعرف لماذا نبش هؤلاء الزعماء ألبوم الصور؛ ليسخروا من غريمهم الجديد القديم، وصحيح أنهم ترجموا سؤالهم إلى صورة لهم وهم في حالة استرخاء لا تخفى على أحد، كانوا فيها بلا ربطات عنق تشير إلى قلة اكتراثهم بفارس يجمح بهم إلى ميادين لا يريدونها.

صحيح كل هذا، ولكننا ننسى في غفلة من أمرنا أن ثمة عالما آخر يعضُّ على أسلة لسانه قهراً وهو يرى ملايين الناس المشردين، وأن مجاعات سوداء وحمراء وصفراء تقرع أبوابه بقوة زلزال غاشم.

إن كان مقياس الرجل العظيم قدرته على السخرية من المتاعب، كما أشار الفيلسوف أفلاطون قبل قرون؛ فإن تلك المتاعب لا بد أن تصير مخاوف عصية على الترجمة الإنسانية إلى مواقف نرى فيها كيف تهون الدنيا على من يقاتل بغير جماجم أبنائه، ويلعب بغير دمهم. تباً.

يبدو أننا سقطنا في عالم يمدُّ لسانه الطويل لنا دون أدنى اكتراث بهزلنا أو جدّنا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك