اتجاهات

مع العم خيري (2 من 2)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 22 يونيو 2022 21:43 GMT

في شقة جميلة بعمارة بور سعيدية عتيقة، جلست أنا والعم خيري شلبي وعدد من قرائه ومحبيه القادمين من شتى أرجاء القنال نستمع إلى السيدة فابيان رودريجيز، مديرة الجمعية

في شقة جميلة بعمارة بور سعيدية عتيقة، جلست أنا والعم خيري شلبي وعدد من قرائه ومحبيه القادمين من شتى أرجاء القنال نستمع إلى السيدة فابيان رودريجيز، مديرة الجمعية الوطنية للثقافة الفرنسية، وهي تقرأ مقطعًا من الترجمة الفرنسية لرواية (صالح هيصة)، بعد أن قرأت نفس المقطع بالعربية.. ومع أن علاقتي بالفرنسية كانت منحصرة في مشاهدة برنامج (بانوراما فرنسية)، إلا أنني كنت على يقين بأن تلك الترجمة مهما أجادت، يستحيل أن تنقل قدرة خيري شلبي على جعلك ترى وتسمع وتشم الأماكن التي يكتبها.

وكانت الفقرة التي قرأناها تصف حي معروف القاهري في ساعات الصباح وصفًا ساحرًا ينتهي بجملة بديعة تقول: ”يجعل دماغك تشغي بالعمران“، فقلت لنفسي إن ترجمة ”تشغي“ إلى العربية الفصحى أمر صعب فكيف سيسهل ترجمتها بدقة إلى الفرنسية؟ لكنني احتفظت بشكوكي لنفسي، لأنني رأيت في عيني العم خيري سعادة غامرة وهو يستمع إلى كلامه منطوقًا بلغة لم يكن يتصور أنه سيُقرأ بها، وهو يلتهم روائع الأدب الفرنسي التي يحتفظ في مكتبته بكل ما تُرجم منها إلى العربية.

لو لم أكن قد اختبرت ذاكرة عم خيري المدهشة في مرات عديدة، لظننت أنه قام بدراسة كل ما في حوزته من روايات فرنسية ليتجلى في الحديث عنها على العشاء مع أهل المركز الفرنسي الذين أبهرتهم سعة وعمق اطلاعه على أدبهم، لكنني كنت قد رأيته يتجلى في سهرات عديدة وهو يروي من الذاكرة قصائد كاملة لفؤاد حداد وصلاح جاهين وبيرم التونسي وفؤاد قاعود، بل ولشعراء لم نكن قد سمعنا بهم، مثل أمين قاعود، وكامل حسني، وغيرهما من الذين كتب عنهم في كتابه الفذ (مراهنات الصبا)، وكان من حسن حظي أنني صورته وهو يلقي بعض هذه القصائد ذات سهرة عظيمة أنعم بها عليّ الزمان، وحتى الآن ألوم نفسي لأنني لم أسجل كل سهراتي معه.

كانت سفرية بورسعيد أول رحلة لي مع العم خيري، ومع أنها دامت يومين فقط، إلا أنها كشفت لي وأنا الذي قرأت كل كتبه والكثير من مقالاته، أنني لم أُحِط بما لديه خِبرًا، وأنه ما زال يحتفظ في جعبته بالكثير من الحكايات المدهشة، التي كنت كلما سمعت إحداها أسأله مندهشاً: ”ما كتبتش الحكاية دي ليه يا عم خيري؟“، فيقول بضحكة تحاول إخفاء حسرته: ”لما أخلّص الرواية اللي في إيدي، عندي مشروع أجمع فيه شوية حكايات لسه مش قادر أعفقهم صح؟“.

حين أقول له مندفعًا: ”حرام عليك، ده الحكاية طالعة منك معفوقة جاهزة؟“، يلومني لأنني أغفل اختلاف جماليات الحكي الشفهي الذي تستعين فيه بالصوت وتدرجاته ولغة الجسد عن جماليات الحكي المكتوب الذي يحتاج إلى تفكير طويل في اللغة ونقلات الكتابة والاستهلال والختام والإيقاع، والأهم من كل ذلك القدرة الصارمة على الحذف، وهي الميزة التي تخلى عنها العم خيري في أعماله المبكرة، لأنه كان يخشى أن تضيع الحكايات الثانوية التي ”تشغي“ بها رواياته، لكنه أصبح مع زيادة الخبرة قادرًا على اتخاذ قرارات فنية صعبة، كإجراء عملية جراحية لروايته (زهرة الخشخاش) ليفصل أجزاء التصقت بها ونتج عنها بعد ذلك رواية مستقلة، أو تغيير إيقاعه في الكتابة ليبدع رواية مثل (إسطاسية) التي أثبتت قدرته على التجدد ومنافسة الكتاب الأصغر سنًا وخبرة.

بعد أن عدنا من رحلة بور سعيد الرائعة، نشرت مقالًا في عمودي اليومي في صحيفة (الدستور) أناشد فيه صديقنا الناقد الكبير علي أبو شادي، رئيس المجلس الأعلى للثقافة، أن يتحفظ على العم خيري، في مكان أمين مزود بكاميرات سرية لأجل غير مسمى، على أن يتم توفير جميع وسائل الرفاهية اللازمة له، ولا يسمح له بمغادرة المكان إلا بعد أن يسجل كل الكنوز التي تختزنها ذاكرته من قصائد مبهرة لشعراء رائعين لم تطبع قصائدهم أو اندثرت دواوينهم، وحكايات مدهشة عن الريف المصري وأساطيره وسيره الشعبية وأدق تفاصيله، وأسرار وحقائق عن الوسط الثقافي المصري من شأنها أن تعيد كتابة ما نعرفه عن تاريخه، على أن نكون واقعيين ومدركين لأن الطمع يقل ما جمع، فنتغاضى عن إجباره على الحديث عن الكتب التي قرأها، لأن ذلك سيتطلب سنين بعدد سنوات عمره التي لم يكف فيها لحظة عن التهام الكتب وهضمها.

حين كتبت تلك المناشدة كان في بالي تجربة (حكايات السعدني) التي صورتها قناة أوربت لسيد الحكائين محمود السعدني، والتي رفض التلفزيون المصري أن يقتني نسخة منها ويذيعها لجمهوره، والتجربة البديعة التي أنتجتها قناة دريم للكاتب الكبير جمال الغيطاني وهو يجوب شوارع القاهرة ويحكي سيرتها وأسرارها، وكنت على يقين أن خيري شلبي يمتلك تجربة في الحكي الشفهي لا تقل جمالًا وأهمية عن تلك التجربتين، خاصة إذا توافر له إعداد قوي يعرف خرائط كتابته ويفهم طبيعة شخصيته، ومخرج محب وحاسم يجيد التعامل معه حين يتعكر مزاجه، ويتكفل بفرملة تداعي ذكرياته عند اللزوم.

اشتط بي الخيال يومها، فكتبت أناشد علي أبو شادي، أن يتبنى من خلال المجلس الأعلى للثقافة مشروعًا للتدوين الشفهي لمن لا يزال على قيد الحياة من كبار حكائي مصر وعلى رأسهم خيري شلبي، وكامل زهيري، وجمال الغيطاني، لكي يرووا كل ما لديهم من حكايات في جلسات مصورة يحضرها من يأنسون له، وهو أمر لن يكلف خزينة المجلس شيئًا مما تكلفه المكلمات والمؤتمرات التي يعقدها للمثقفين كل عام فتنقضي دون فائدة إلا للقلائل الذين يحضرونها، وقلت إن مثل هذه الجلسات المصورة يمكن أن تدر دخلًا للمجلس لو بيعت نسخ مرئية ومسموعة منها، وهو عائد يمكن أن يعود جانب وفير منه على أصحاب الحكايات، وتطوعت لمحاورة عم خيري دون أن أطلب أجرًا سوى أكواب شاي بالنعناع لزوم انجلاء المزاج.

هاتفني العم خيري، بعد نشر مقالي ساخرًا من حسن نيتي الذي يقارب حدود البلاهة، وراهنني على أن ما كتبته سيحظى بتجاهل كامل من مسؤولي الهيئات الثقافية الرسمية، وحين قلت له إنهم سيكونون في منتهى الغباء لو أهدروا فرصة يمكن أن يكون لها مردود أكثر نفعًا وجماهيرية من أغلب ما يقومون به من أنشطة، قال ضاحكًا إنني تجاوزت الآن حدود البلاهة حين تصورت أنهم مشغولون أصلًا بما هو أبعد من حالة ”الخيلة الكدابة“ وزياط المهرجانات والمؤتمرات.

كان الرجل الكبير محقًا في فهمه للواقع الثقافي الرديء، ومع الأسف لم تسمح ظروف انشغالنا الدائمة بأن ننفذ فكرة تسجيل ساعات مطولة يخفف فيها حمول ذاكرته المفعمة بخير الحكايات والأشعار والأفكار، ليرحل عن دنيانا قبل أن يتحقق حلمه بأن يتمكن من عفق ما تبقى من الحكايات الوفيرة التي في دماغه، ليضعها على الورق في أحسن صورة، مثلما فعل من قبل حين قدم لنا شخصيات متفردة وكتابة بديعة أتعب بها من بعده.

ألف رحمة ونور عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك