اتجاهات

فيزياء الدجاجة المشوية

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 30 مايو 2022 19:42 GMT

بعيداً عن الاجتياح الصيفي المباغت للمنطقة، وفي خضمّ حملة مقاطعة حارقة للدجاج وبيضه في عمان، وسائر المدن الأردنية، بعد إصابتهما بسعار الأسعار، تذكرت تكتيكاً

بعيداً عن الاجتياح الصيفي المباغت للمنطقة، وفي خضمّ حملة مقاطعة حارقة للدجاج وبيضه في عمان، وسائر المدن الأردنية، بعد إصابتهما بسعار الأسعار، تذكرت تكتيكاً فيزيائياً ذكياً تعمد إليه ربات بيوت البلدان الباردة، إذ يضعن ملاعق معدنية في الكؤوس الزجاجية قبل صبّ الشاي الساخن تقيها من شروخ التكسر..

الملاعق وهي تمتص قدراً كبيراً من حرارة الشاي تعمل كمصدات حماية للكؤوس، وهو ما كانت تفعله بعض الحكومات في دعمها لمواطنيها القابعين تحت شلالات أسعار لاهبة.

للأسف، لم تعد هناك حكومات في العالم الثالث تحفل برؤوس مواطنيها الهشة، بل إن بعضاً من تلك الحكومات ما برحت تدعم التجار وتتفاعل معهم في تكتيك بيولوجي لئيم أسميه ”التأقلم القاتل“..

فالضفدع الذي تلقيه في طنجرة ماء يغلي، سيقفز قفزة هائلة تنجّيه، أما إن وضعته في طنجرة قبل أن تسخنها بالتدريج، فستراه يمكث ساكناً في قعر مائها، مؤجلاً قفزته مرة إثر أخرى، آملاً أنه يقدر على التأقلم، حتى يجد نفسه وقد غدا حساء لذة للجشعين.

هذه المرة جاءت رفعة أسعار الدجاج مباغتة وكبيرة وفوق قدرة التحمل، ولهذا قفز الناس من طنجرة تأقلمهم مطلقين حملة صارمة لمقاطعته.

وقد تسرّع كاتب هذه السطور متنبئاً بفشل الحملة استناداً إلى خبرات عايشها مع حملات مشابهة باءت بالفشل الذريع، واعتماداً على فكرة أن نجاح حملات المقاطعة عموماً يحتاج أن يقف الناس كلهم وقفة رجل واحد بقلب واحد، وهذا ما لم يكن يحدث في مجتمعنا، بل إن بعضاً من تلك الحملات ارتد عكسياً صاعق الرؤوس كحملة ”صف سيارتك“، التي أطلقت احتجاجاً على رفع أسعار البنزين قبل بضع سنوات، فغصت شوارع عمان بالسيارات حتى التراقي، خلال أيام الحملة الفاترة.

أعتقد أن أية حملة مقاطعة تكون أمام نتيجتين متناقضتين، إما أن تنجح وتقصقص أجنحة التاجر الانتهازي الذي يريد مفاقمة أرباحه، وتوقف سياسات الحكومة الفارضة للصمت المتأقلم مع حرارة الأسواق إذ تشيط أسعارها، أو أنها تفشل وتخلق ارتياحاً لدى التجار تجعلهم يجرؤون على المستهلكين أكثر، بل وينفحونهم مزيدا من لهيبات الأسعار.

يفرحني أن هذه الحملة تشقّ طريقها الصعب المؤلم نحو نجاح مأمول، ربما بسبب تغيير خفي في العقل الجمعي في مجتمعنا، علاوة على أن الكثيرين باتوا يدركون أن هذه المعركة فاصلة، رغم أنها بداية، وأنها إن فشلت فلن تتوقف سعارات الأسواق، بل ستندلع في سلع أخرى.

كنت أتوقع أن تنشأ جمعيات حماية حقيقية للمستهلك في بلد مصابة بحمى الأسعار، جمعيات تسير وفق استراتيجية بعيدة عن إرهاصات و“فزعات“ مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتوازي مع حملات محكمة لمكافحة الجشع ومعاقبة من يؤذي لقمة الناس بسيف بتار يتمثل في قول ”ارخصوا الأشياء بتركها“.

قبل أن أرجو لنجاح هذه الحملة أن يصير نموذجاً لكل فعل جماعي قادر على فرض إرادته على من لا يكتفون بهامش ربحي يتماشى مع حالة الناس الاقتصادية المتعبة، سأتذكر زميلاً قفز في حصة الفيزياء صارخاً أن هناك ما هو أسرع من الضوء الذي يلف الكرة الأرضية سبع مرات في الثانية الواحدة، حسبما قال لنا المعلم..

”الجائع يطارد دجاجة هاربة منه بسرعة ثماني مرات دوران حول الكرة الأرضية في الثانية الواحدة، ويقبض عليها مشوية“، ثم أدار وجهه للحائط وهو يحشرج: ”الجوع كافر أيتها الضفادع المطمئنة في قعر الطنجرة.. اقفزوا الآن“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك