اتجاهات

أزمة أوكرانيا والاقتصاد المصري

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 15 مايو 2022 21:24 GMT

أدت الأزمة الأوكرانية إلى تفاقم أسعار الغذاء والوقود (المرتفعة أصلا) على المستوى العالمي، وتوجيه ضربات قوية إلى التعافي الاقتصادي في معظم دول العالم، ومن ضمنها

أدت الأزمة الأوكرانية إلى تفاقم أسعار الغذاء والوقود (المرتفعة أصلا) على المستوى العالمي، وتوجيه ضربات قوية إلى التعافي الاقتصادي في معظم دول العالم، ومن ضمنها مصر..

الصراع الروسي الأوكراني جاء في الوقت الذي بدأت بوادر الانتعاش تلوح بالأفق بعد صراع مرير مع تداعيات جائحة كورونا.

بالفعل، كانت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية لها تأثير واسع النطاق على الاقتصاد المصري، حيث أدى ارتفاع التضخم إلى دورة تشديد نقدي قوية، وتراجع قطاع السياحة مرة أخرى.

من المتوقع أيضا أن يتباطأ النمو الاقتصادي خلال العام الحالي، وأن يؤثر ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وضعف الجنيه المصري، وارتفاع أسعار الفائدة المحلية على القوة الشرائية للأسر المصرية خلال الأشهر القادمة.

كما أنه من المؤكد أن يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى زيادة التضخم، والتأثير على ميزان المدفوعات والتمويل الحكومي، ما يؤدي إلى تفاقم تحديات الاقتصاد الكلي والاختلالات الخارجية والمالية، وقد تشهد مصر ضغوطًا متزايدة على ميزان حسابها الجاري، وربما صدمة في معدلات التبادل التجاري.

هذا ويتوقع أن يتسارع التضخم، وقد يتضاعف في عام 2022 مقارنة بالعام السابق، مدفوعا إلى حد كبير بتراجع قيمة الجنيه المصري وزيادة أسعار الغذاء والطاقة.

التضخم المرتفع والتشدد في السياسة النقدية سيؤثران على الاستهلاك الخاص، بينما سيؤدي ارتفاع فاتورة الاستيراد وتكلفة خدمة الدين إلى خفض الإنفاق الرأسمالي.

ومن المرجح كذلك أن يبقى موقف مصر الخارجي ضعيفا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية والتشديد المالي العالمي، حيث يتوقع كذلك أن يتوسع عجز الحساب الجاري من إجمالي الناتج المحلي خلال العام الحالي، بسبب ارتفاع فاتورة الواردات، وتباطؤ في قطاع السياحة.

هنا يمكن القول إن هناك ثلاثة عوامل قد تزيد عجز الحساب الجاري لمصر في العامين المقبلين:

الأول، مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم، ومن المرجح أن تستمر الحرب في الضغط التصاعدي على أسعار القمح المرتفعة حتى عام 2023، ما يخلق ضغوطا دائمة على فاتورة الواردات المصرية، ما يوسع العجز التجاري.

الثاني، ستؤدي اختناقات سلسلة التوريد العالمية إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وسيؤدي هذا، إلى جانب قوة الدولار الأمريكي، إلى استمرار ارتفاع فاتورة الاستيراد خلال الأشهر القادمة، رغم أن ضعف الجنيه المصري من المرجح أن يقلل الاستهلاك الخاص والطلب على السلع المستوردة.

وأخيراً، سيؤدي تعطيل وصول السياح من أوكرانيا وروسيا – وكلتاهما سوقان سياحيتان رئيستان لمصر – إلى تقليل عائدات السياحة وتأخير انتعاش سوق السياحة. ومع ذلك، فإن تراجع سعر صرف الجنيه المصري قد يزيد من تنافسية قطاع السياحة المحلي ويساعد في جذب سياح جدد.

في ضوء هذه الخلفية السلبية، من المرجح أن تزيد الحكومة المصرية جهودها لتأمين التمويل الثنائي ومتعدد الأطراف، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر لتغطية احتياجات التمويل الخارجي للبلد.

كما أن برنامج صندوق النقد الدولي ودعم دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن توفر بعض الطمأنينة للمستثمرين الأجانب لتشجيعهم على العودة إلى سوق الدين المحلي.

كما يتوقع أن العديد من العوامل سوف تعمل على احتواء التدهور في رصيد الحساب الجاري، منها تدفقات قوية من التحويلات، خاصة في ظل نشاط اقتصادي قوي في دول مجلس التعاون الخليجي التي تستضيف جالية مصرية كبيرة.

علاوة على ذلك، سيكون لارتفاع أسعار الطاقة تأثير محدود على الميزان التجاري للسلع، حيث ستعوض صادرات الغاز القوية واردات النفط على نطاق واسع.

إضافة إلى ذلك، تعمل السلطات على زيادة رسوم العبور على السفن والناقلات التي تمر عبر قناة السويس والتي، إلى جانب زيادة عدد السفن العابرة، ستزيد من إيرادات الخدمات.

كما اتخذت الحكومة تدابير لطمأنة المستثمرين الأجانب وجذبهم مرة أخرى إلى السوق المصرية، مثل السعي للحصول على اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، وخفض قيمة العملة، وتلقي ودائع البنك المركزي المصري من دول الخليج.

في حين إن مصر لديها خيارات لتمويل احتياجاتها من التمويل الخارجي، لا تزال المخاطر قائمة، قد تؤدي دورة التشدد النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أو سوء التواصل مع السوق إلى تفاقم النفور من المخاطرة تجاه الأسواق الناشئة، وهذا من شأنه أن يزيد التدفقات المالية إلى الخارج أو يؤخر الانتعاش في التدفقات الوافدة إلى مصر.

والأهم أن اندلاع اضطرابات اجتماعية على خلفية الغلاء والأوضاع الاقتصادية الصعبة، قد تعوق الإصلاحات وتزيد الأعباء المالية على الدولة وقد تكون لها تداعيات سلبية على قطاع السياحة أو تدفق الاستثمارات الأجنبية.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك