اتجاهات

شيرين أبو عاقلة.. صوتها والصدى

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 13 مايو 2022 7:19 GMT

ربما كان من عبث الأقدار أو من حكمها أن تمتد يد الغدر الإسرائيلية، والعالم يواصل إحياءه لليوم العالمي لحرية الصحافة، إلى مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، فتسقط

ربما كان من عبث الأقدار أو من حكمها أن تمتد يد الغدر الإسرائيلية، والعالم يواصل إحياءه لليوم العالمي لحرية الصحافة، إلى مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، فتسقط شهيدة على أرض الميدان.

أمس الخميس 12 مايو، كان دور النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لإحياء هذا اليوم، بحضور ممثلين عن هيئات دولية وتونسية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، مثل ”مراسلون بلا حدود“، و“الفيدرالية الدولية للصحفيين“، و“اليونسكو“، و“مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن“، و“منظمة الفصل 19″، و“الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان“، و“المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية“، وغيرها من المنظمات، إلى جانب سفير الاتحاد الأوروبي في تونس.

هيمن الألم والمرارة والغضب على الجلسة الافتتاحية وباقي جلسات الندوة الدولية التي أقيمت بهذه المناسبة..

ألمٌ؛ لأن شهيدة فلسطينية أخرى انضمت إلى قائمة الشهداء الفلسطينيين الذين دفعوا ثمن تثبيت الهوية الفلسطينية على الأرض، وما زالوا يدفعونه منذ حوالي ثمانين عاماً..

مرارةٌ؛ لأن صوتاً من أصوات الحرية هو صوت شيرين أبو عاقلة قد أُسكت بالحديد والنار، لأن ابنة القدس كرست ربع قرن من حياتها لتوثيق جرائم الكيان الصهيوني، وهو ينازع شعب الجبارين على التمسك بأرضه وبحقه التاريخي عليها، ويخوض، من أجل ذلك، ملاحم النضال حتى لا يستسلم وحتى يظل صوته أعلى من صوت الرصاص..

غضبٌ؛ لأن الكيان الصهيوني الذي أُقيم على كذبة تاريخية ما زال يعبث بالاتفاقيات الدولية التي تنص على واجب حماية الصحفيين وهم يؤدون عملهم على الميدان في الظروف الاستثنائية وغير الاستثنائية..

ثم غضب، وغضب، وغضب؛ لأن إسرائيل التي طلبت تحقيقاً في واقعة اغتيال أبو عاقلة ستظل، مهما كانت نتائج هذا الأخير، فوق المساءلة والمحاسبة، كما كانت دائماً في كل الجرائم البشعة التي اقترفتها في حق الشعب الفلسطيني..

ولن يجدي النفاق السياسي الذي أبداه الاتحاد الأوروبي أو الجهات الأمريكية في التوصل إلى الحقيقة التي أنهت الرحلة الصحفية لأيقونة الصحافة العربية التي وثقت بالدم بشاعة الاحتلال، قبل أن تلفظ النفس الأخير.

وباتصال مع اغتيال ابنة القدس التي ستظل تسكن قلوبنا وضمائرنا، رغم اختفاء صوتها الحر، كان تشخيص شبكة ”مراسلون بلا حدود“ لواقع الحريات الصحفية في البلدان العربية، ومن ضمنها تونس، دافعاً الى الإحساس بالمرارة، خاصة أن ما سُمي بـ“الربيع العربي“ حمل آمالاً بتوسيع دوائر حرية التعبير والصحافة في البلدان التي هبت عليها رياح التغيير، وأمِلت في تطوير أوضاع صحافتها وصحفييها، وجعل الحرية التي يقوم عليها كل عمل صحفي ركناً من أركان الديمقراطية التي انعقدت كل الآمال على ترسيخها.

لن نذهب بعيداً في استعراض هذا التقرير، ويكفي أن نشير إلى تراجع تصنيف تونس في مجال حرية الصحافة بـ21 نقطة لتحتل المركز الـ94 للسنة الحالية، بعد أن كانت في المرتبة الـ73.

أسهب التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية في تونس الذي أصدرته منذ أيام النقابة الوطنية للصحفيين، وقدم نقيب الصحفيين التونسيين في هذه الندوة الدولية بعض أسبابه ومؤشراته في تفسير هذه الأسباب بإرجاعها خاصة إلى الحالة الاستثنائية التي تعيشها تونس..

ومن مظاهرها التضييق على حرية الصحفيين وصعوبة النفاذ إلى المعلومة حتى تكاد تكون قنوات التواصل بين رئاسة الحكومة ومؤسسة رئاسة الجمهورية من جهة وبين المؤسسات الصحفية وصحفييها معدومة، وإلى التعامل الأمني والقضائي مع نساء ورجال الإعلام بالرجوع الى منظومة قضائية تتضمن العديد من الفصول الزجرية والسالبة للحرية، بدل الاحتكام إلى المرسوم عدد 115 الذي يضبط كل قضايا النشر في وسائل الإعلام التونسية.

وسجلت وحدة رصد الانتهاكات صلب النقابة الوطنية للصحفيين أعلى نسب اعتداء خلال هذه السنة على الصحفيين والمصورين، وهي نسبة وصلت إلى 214 اعتداء..

كما سجل، خلال نفس الفترة، عديد الملاحقات القضائية للصحفيين في قضايا أمن الدولة وقضايا إرهابية على خلفية محتويات إعلامية.

ويأمل الصحفيون التونسيون في إمضاء اتفاقية مع وزارة الداخلية هي بمثابة مدونة سلوك تضبط تعامل رجال الأمن مع الصحفيين في أدائهم لمهماتهم، خاصة أثناء تغطية الإضرابات أو المظاهرات الاحتجاجية، وهو ما تسعى بدورها وزارة الداخلية في تونس، على ما يبدو، إلى التوصل إليه.

لم تخلُ نقاشات الندوة الدولية للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وتوصياتها من الوقوف عند ضرورة إدانة الكيان الإسرائيلي ومحاسبته على الجرائم التي اقترفها على مدى عقود في حق الصحفيين الفلسطينيين وآخرهم أبو عاقلة؛ لأنهم كانوا يبحثون عن الحقيقة التي هي مبتغى كل صحفي، ولأنهم كانوا من أصوات الحرية التي واجهت بكل شجاعة بطش أعدائها.

سيظل الصحفيون في تونس، بل كل أحرار العالم الذين يمارسون هذه المهنة، يستذكرون درس ابنة القدس التي دافعت عن خارطة بلد صغير قضم المحتل كل أطرافه ولم يعد فيه ربما متسع إلا لمقابر الشهداء ولسيول دمائهم، ولكنها دماء ستنبت الأرض الغالية أبناء في عمر الزهور، وستنبت شباباً غاضباً مستميتاً في الدفاع عن الحرية، هم صوت شيرين وصداها.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك