اتجاهات

اتجاه إجباري

خالد شيا

خالد شيا

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 04 مايو 2022 14:32 GMT

يشعر السائق الحقيقي بالضيق من إشارة الاتجاه الإجباري، وبشيء من الارتباك والخوف عندما يكون في مدينة غريبة مهما كانت شوارعها فسيحة ومضاءة، ولا يهدأ توتره حتى

يشعر السائق الحقيقي بالضيق من إشارة الاتجاه الإجباري، وبشيء من الارتباك والخوف عندما يكون في مدينة غريبة مهما كانت شوارعها فسيحة ومضاءة، ولا يهدأ توتره حتى تنفرج الأسهم وتمنحه أكثر من خيار.

الاتجاه الإجباري فقير الخيال، ولا يحتاج إلى موهبة خاصة للعبور، فكل السائرين عليه سواء، ولا أثر يبقى من الرحلة إلا إذا قرر أحدهم مشاكسة الرتابة، بزيادة السرعة أو إنقاصها، لكنه لن يستطيع أبدا – بعد أن يتورط في المسار – تغيير الشكل النهائي للقافلة الماضية في اتجاه واحد.

في حياتنا اليومية شيء من هندسة المدن الصارمة وإشارات المرور، وما لا يحصى من الطرق الإجبارية: القليل منها واقعي لا فكاك منه، والكثير الساحق ذرائعي لا يكف عن الاتساع والتوالد.

كلمة ”إجباري“ تحولت إلى لازمة، ووسيلة سهلة للتطهر من كل الموبقات، وشكل اعتذار استباقي سمج، قبل أن يهم أحد بالمراجعة والسؤال.

يتغزل الموظف بوسامة رئيسه وشبابه الدائم، وأناقته وذوقه الرفيع في اختيار العطور، وسعة اطلاعه وذكائه الوقاد وعدالته، ثم ينتقل إلى تنجير الخوازيق لزملاء العمل، وعندما يتبسط في الحديث مع زوجة أو صديق قديم مفشيا بعض أسرار النجاح، يقول على الفور مخاطبا اللا أحد: إجباري.

يتلاعب محترف الكلام بالضرورات والمحظورات، يبدل ترتيبها بأمر ويعيد تعريفها بأمر، وبالبلاغة نفسها في كل مرة، دون أن يرتجف له قلم أو صوت، وفي جميع الحالات يرفع راية الطريق الإجباري.

يدافع الكاتب مرهف الحس، عن حق الذباب في الحياة، والنمل في بناء أعشاسه بسكينة، يتفجع على الفئران والضفادع التي يقتلها العالم المتوحش في مختبرات التجارب العلمية، يندب حظنا بانحسار مساحات الكمأة، وضياع مفردات من تراثنا الشعبي، وعندما تنتشر مناظر الدماء والأشلاء وصور المجازر، يعيد كاتبنا تعريف ”الحس المرهف“ فيتحول إلى طبيب نفسي لتحليل دوافع القتلة، وإنقاذنا من إثم القسوة عليهم واستعجالنا في تجريدهم من صفة الإنسانية.

يعرف الكاتب مرهف الحس، هوية من يطلق الرصاص ومن يتلقاه، لكنه وهو المحكوم باتجاه إجباري عميق عميق، تشربه مع قطرة الحليب الأولى، ضبط بلا مواربة في الجهة التي ينطلق منها الرصاص، وكل ادعاءاته بالحياد – وهو فعل يقارب الجريمة – لم تبدد اتهامه بوصمة التعاطف مع فصيلة القتلة لا مع وجوه وأنين الضحايا.

لسبب غير معروف، وربما هو معروف لدرجة محرجة، يحاجج الرجل واسع الاطلاع – بطريقته الكاريكاتورية- مدفوعا بثقة مفرطة بالنفس، وباستخفاف مزمن بذكاء الآخرين، بإمكانية خلط الزيت بالماء، وتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وسهولة اللعب بالبيضة والحجر، وإنبات قصب السكر دون قطرة ماء.

في كل جريمة مكتملة الأركان، مشفوعة باعتراف الجاني، يتصبب الرجل عرقا، ويندب نفسه للبحث عن الأسباب المخففة، وربما يكذب في مجالسه الضيقة اعتراف القاتل، كأنه وصي على لسانه وسلاحه.

الويل للركاب إن جلسوا ساكنين خلف سائق مزيف، يستطيع على طريقة الحواة، القفز من مقعد القيادة لحظة دفعهم إلى الهاوية.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك