اتجاهات

ساعة بقرب البهاء

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 21 أبريل 2022 17:49 GMT

من دفتر اليوميات، القاهرة ـ 14 ديسمبر 2008: هيئته الشاحبة خضّتني عليه، فسألته بلهفة "مالك يا عم بهاء"، ويا ليتني ما سألت. في الغالب الأعم حين كنت أرى عمنا

من دفتر اليوميات، القاهرة ـ 14 ديسمبر 2008:

هيئته الشاحبة خضّتني عليه، فسألته بلهفة ”مالك يا عم بهاء“، ويا ليتني ما سألت.

في الغالب الأعم حين كنت أرى عمنا الروائي الكبير بهاء طاهر في مجلسه الأثير بمكتبة ديوان بحي الزمالك، أتردد في اقتحام جلسته؛ لأنه عادة يكون بصحبة مستشرقة حسناء أو محلية هيفاء، لكنني في ذلك اليوم ذهبت إليه دون تردد، فلم يكن بصحبته سوى شريط دواء ريني ”بتاع الحموضة“، ومجلة نسائية بلهاء من اللواتي تخرجن من المطبعة إلى محلات الكوافير رأسا.

خفت أن يبادرني بالسؤال المرير عن سر تعثر مشروع فيلم (نقطة النور) الذي تشرفت بكتابة السيناريو له وكان يفترض أن يمثله الفنان نور الشريف وتخرجه الصديقة هالة جلال، فقررت أن أتغدى به وأسأله عن أخبار الكتابة الجديدة التي طال انتظارها، فردّ بسخط لم أعهده منه: “ كتابة إيه يا أستاذ، بقى لي أسبوع لا باكل ولا باشرب.. عندي حموضة لعينة مش عارف لها سبب.. الدكتور الكبير اللي بياخد تمن الفيزيتة الشيء الفلاني كتب لي دوا عمل لي أعراض جانبية سيئة جدا.. اتصلت بيه ما بيردش حضرته.. مع إنه مسجّل نمرتي.. حاجة سيئة جدا“.

ولأن الذين يعرفون عم بهاء جيدا يعرفون أن تعبير ”حاجة سيئة جدا“ يعني أن سيل غضبه قد بلغ زُباه، فقد قررت أن أغيّر الموضوع وأبارك له على الجائزة الإيطالية الرفيعة التي نالها عن روايته الفريدة (الحب في المنفى)، بعد ترجمتها إلى اللغة الإيطالية بعدة أشهر.

عندما نطقت اسم الجائزة اتضح أن أغلب الصحف المصرية نشرته خطأ بحيث أصبح كلمة شبه ”أبيحة“، وقبل أن يقول العم بهاء إن ذلك أيضا ”حاجة سيئة جدا“ وهي كذلك فعلا، غيّرت الموضوع من جديد لأبارك له صدور طبعات جديدة وجميلة لأعماله عن دار الشروق.

أخذنا الحديث إلى رحلة رواياته مع دور النشر المصرية، فحكى لي عن دار نشر أصدرت له مرة رواية بدون الفصل الأخير، وأخرى نشرت الصفحات بترتيب ملخبط رأت أنه أفضل، وهكذا بدل أن يفرح بصدور رواياته أخذ يسعى إلى لمّها من السوق وإعدامها، وعندما سألته هل نجح في ذلك، أجابني: أتمنى ذلك؛ ولأني لم أفهم إجابته، قال لي إن إعدام الروايات قد يتم افتراضيا بالتوافق مع الناشر، بينما تباع النسخ بالكيلو لتصل إلى القارئ رغما عن أنف كاتبها، وبسعر أرخص.

هذه المرة تولى جرس موبايله مسؤولية تغيير الموضوع، وعندما خاطب المتصل بلقب الدكتور وبدأ يشرح له أعراض الحموضة التي يعاني منها، حمدت الله لأن ضمير طبيبه صحِي متأخرا، لكنني فوجئت في نهاية المكالمة بعم بهاء يقول: ”حاضر يا دكتور هانزل لك بالليل ده لو لقيت تاكسي“.

بعد انتهاء المكالمة قلت له لائما ومداعبا: ”هو في أكتر من التكاسي يا عم بهاء.. ليه تتأخر على الدكتور.. روح له فورا.. مش كفاية إنه صلح غلطته وكلمك“.

نظر إليّ العم بهاء نظرة القطب الصوفي إلى المريد الأبله، وقال: ”ده دكتور تاني محترم.. وبعدين انت مستهون بموضوع التاكسيات.. أنت عارف إني من شوية وأنا رايح للمحامي شاورت لتاكسي.. وقف لي وبعدين بَحْلَق في وشّي شوية وراح ماشي.. تخيل يا أستاذ، دي حاجة سيئة جدا، بقى لي كذا مرة، كلما أشاور لتاكسي يبص في خلقتي ويمشي“.

ضحكت بشدة لأخفف قتامة حديثه، ثم قلت له متخيلا إنني أواسيه: ”ما هي دي غلطتك يا عم بهاء.. المفروض تركز في موضوع الظهور في البرامج شويتين.. مش كل ما برنامج يعزمك تعتذر وتقول مش لاقي كلام أقوله.. لو بتطلع في كل البرامج اللي بتعزمك.. كان زمانك انت اللي بتبحلق في وشوش سواقين التاكسي وتختار منهم“.

ضحك بعزم ما فيه وأنا لُمت نفسي على ما قلته، ثم قررت أن أريح فضولي الرِّزِل وأسأله عن سر وجود المجلة النسائية البلهاء على طاولته: ”إيه يا عم بهاء هم كاتبين عنك ولا إيه في المجلة دي؟“، فقال لي بغضب لا يناسب بلاهة السؤال والمجلة: ”ما أنا كنت رايح للمحامي عشان أرفع عليهم قضية.. تصور ناشرين لي مقالين عمري ما كتبتهم في حياتي.. لا وكمان فيهم كلام يسيء لي بشدة“.

شعرت أنني كلما سألت الرجل عن شيء جددت أحزانه ووجعت قلبي، فقررت أن الجملة التي لابد أن أنطق بها على الفور وأنا أنهض: ”طيب تؤمرني بحاجة يا عم بهاء؟“، فقال لي بحزن: ”أخبار الفيلم إيه.. يا أخي نفسي أشوفه قبل ما …“، فابتعدت مسرعا قبل أن يكمل وأنا أودعه مغمغما بكلمات بلهاء وقُبلة أرسلتها عبر فضاء المكتبة، متصنعا البحث عن كتاب للأطفال في دولاب كتب الأطفال القريب، وهو فهم حيرتي وأسفي فتركني لحالي.

ظللت أتنقل بين دواليب المكتبة، وبعد أن خرج عم بهاء من المكتبة، اتجهت إلى الكاشير وأنا أكاد ألطم على ومن حال بلادنا التي تأكل أجمل أبنائها وتنكرهم، بعد أن انتهى الكاشيرجي من حِسبته قال لي رقم الفاتورة، ففوجئ بي أتنهد وأقول بحرقة: ”حسبي الله ونعم الوكيل“، قال لي مخضوضا ”يا ساتر يا رب.. بتحسبن علي ليه يا أستاذ“، فقلت له بنفس الحرقة: ”لا يا عم انت ما لكش ذنب، أنا باحسبِن على أي سواق تاكسي يشوف بهاء طاهر وما يركبوش فورا“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك