اتجاهات

السياسية المنبوذة.. على عتبة الإليزيه

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 13 أبريل 2022 19:58 GMT

قد تكون مارين لوبان ورثت عن "بولين"، جدتها للأم القبطية المولودة في صعيد مصر، الكثير من الصلابة والإصرار على البقاء صامدة على الأرض التي اختارتها.. ولكن، من

قد تكون مارين لوبان ورثت عن ”بولين“، جدتها للأم القبطية المولودة في صعيد مصر، الكثير من الصلابة والإصرار على البقاء صامدة على الأرض التي اختارتها..

ولكن، من المؤكد أن والدها ”جون ماري لوبان“، مؤسس الجبهة الوطنية وزعيمها إلى العام 2015، قد مكّنها من فرصة البروز في المشهد السياسي الفرنسي بقدر ما أثقل كاهلها بإرث من التعصب والكراهية جعل منها سياسية منبوذة، ليس فقط من غالبية الطبقة السياسية أو من شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي، بل حتى من وسائل الإعلام التي كانت تتحاشى، حتى وقت قريب، دعوتها إلى منابرها، خشية رفض ضيوفها من الأطياف السياسية الأخرى الحضورَ في برامج تشترك فيها سليلة حزب شُبهة الفاشية، والتعصب، وكراهية الأجانب، فيه مؤكدة.

ولكن، يجب الاعتراف أن ”مارين لوبان“ اجتهدت كثيرًا كي تتخلص، إلى حد ما، من هذا الإرث البغيض، بدءًا بالانقلاب على والدها، وتوليها رئاسة الحزب، العام 2015، ومرورًا بتغيير اسمه إلى ”التجمع الوطني“، وانتهاءً باستبعاد العديد من قياداته بسبب تصريحات اعتبرت معادية للسامية أو متعاطفة مع النازية.

ولقد اضطُرت هذه التعديلات الجريئة ماريون ماريشال، ابنة أختها، التي تعتبر نفسها الوريثة الشرعية لفكر جدها، إلى الانسلاخ عنها، والالتحاق، مع بداية الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية، بإيريك زمور اليميني المتطرف، والخصم الشرس لمارين.

ومع اقتراب الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، التي استعدت لها ”مارين لوبان“ بعمل ميداني مكثف جابت خلاله فرنسا بالطول والعرض، والتقت بفئات عمالية، وربات بيوت عادية، ومواطنين مهمّشين، عمدت مرشحة التجمع الوطني إلى تعديل خطابها بالتركيز على الأوضاع الداخلية في فرنسا، متعهدةً بالدفاع عن القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي، ومقاومة التضخم، وارتفاع مستوى المعيشة إثر الحرب الروسية الأوكرانية..

وها هي، في اليوم الأول من الحملة الانتخابية التي أعقبت إعلان نتائج هذه الدورة الأولى، تؤكد أنها في حال انتخابها لن تُخرج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، وإنما ستدعو لمناقشة الاتفاقيات التي تُلزم الدول الأوروبية باتخاذ قرارات مُوحدة في العديد من الحالات، بما يضمن لفرنسا سيادتها ومصالحها، ضاربةً مثلًا على ذلك قرار تخفيض إنتاج المواد الزراعية، في الوقت الذي بدا يشكو العالم فيه من ندرة في هذه المواد.

وفي سياق الحرب الروسية الأوكرانية، رحبت ”ماري لوبان“ باللاجئين الأوكرانيين، مخففةً من موقفها من المهاجرين غير الأوروبيين، مشيرةً فقط إلى العبء المالي الذي تمثله الخدمات الاجتماعية لعائلات المهاجرين المتعددة الأفراد.

ولفت انتباه المحللين قفز موضوع الهجرة إلى الصف الثالث من خطابها، وابتعادها عن المزايدات حول الهوية، فيما كانت مسألة الهجرة تحتل المرتبة الأولى مقترنةً بقضية الأمن، والإرهاب، والتطرف الإسلاموي.

وتعترف مارين لوبان، مستعيرةً مقولة لنيلسون مانديلا: ”لقد تعلمت الكثير، ولقد تعثرت، وأحيانًا فشلت وسقطت، وكنت أقوم دائمًا“.

ولعل أحد أسباب فشلها، كما تقول هي، عزلتها، وعدم وجود شخصيات سياسية وازنة إلى جانبها لنصحها، وتنبيهها إلى أنها ”امرأة متحررة ومتغيرة“، كما أسرّ جون جاك إيجايون، وزير الثقافة في عهد جاك شيراك، إلى بعض الحضور خلال حفل عشاء نظم لفك العزلة عن مارين لوبان، والتسويق إلى أنها ”لا تمثل خطرًا على الجمهورية“.

”لم أفقد أصدقاءً حقيقيين“، هكذا علّقت مرشحة التجمع الوطني على التحاق العديد من أصدقاء الأمس بايريك زمور، ولكن الخيبة ظلت تثقل قلبها، فإذا بها تقطع أحد لقاءاتها مع أنصارها أثناء حملتها الانتخابية الأخيرة لتقول لهم: ”اتركوني أحدثكم عن نفسي قليلًا، فلقد عشت في عائلة أحادية، (بعد طلب والدتها الطلاق، وإثارتها لفضيحة على صفحات مجلة إباحية)، وقد تزوجت وطُلقت مرتين، وربيت أبنائي الثلاثة وحدي.. ”مستثيرة في سامعيها صورة إنسانية، بعيدة عن صورة المرأة الحديدية التي كرّستها مارغريت تاتشر والتي كثيرًا ما شبهت بها“.

ليست وحشًا سياسيًا، هذا ما جهدت ”مارين“ في الترويج له وهي تتعامل مع شباب حزبها، ونتشر أخبارها على ”تيك توك“، وصورها وهي ترقص، وتؤدي أغاني لشارل أزنافور، وتستعيض عن ملابسها الداكنة اللون بجاكيتات بيضاء، وبألوان زاهية، لتبدو كملاك أبيض، كما قال عنها أحد أصدقائها.

وهي تتحفظ، كذلك، بدعم بوتين في حربه على روسيا، ولكن هل تعزز هذه الصورة الجديدة التي تحاول أن تنحتها مرشحة التجمع الوطني لنفسها من حظوظها بالفوز بالرئاسة لتكون أول سيدة فرنسية للإليزيه، وهو ما فشلت فيه من قبلها سياسيات انتمين لحزب عريق في السلطة مثل مارتين أوبري، أو سيجولان رويال؟

وتعبر ”مارين لوبان“ عن تفاؤلها الكبير بنتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، وتكاد تُجزم أنها ستنتصر على خصمها إيمانويل ماكرون في الدورة الثانية، فيما يُبدي هذا الأخير الكثير من الحذر إن لم يكن من الخوف، قائلًا إن انتصاره في هذا السباق الانتخابي لم يُحسم إلى اليوم.

ولأن كل شيء ممكن في السياسة، وأنه لا قوانين ثابتة لها، فإن عوامل عديدة تحكم المستقبل السياسي لكل من المرشحين، أولها أنه لأول مرة تُلقي العوامل الخارجية بثقلها بمثل هذا الوضوح على سير هذه الانتخابات، فلا يمكن أن ينسى ملايين الفرنسيين أن حملة مارين لوبان، للعام 2017، ولهذه السنة، قد تمّتا بأموال روسية، ولأن الحرب الروسية على أوكرانيا لم تنته، فإن فوز ”لوبان“ بالرئاسة يهدد موقع فرنسا على المستوى الأوروبي، كما يهدد ما يقوم عليه الاتحاد الأوروبي من قيم التضامن والتعاون.

وإذا ما استثنينا النسبة العالية من الامتناع عن التصويت، التي لن تخدم المُرشحيْن، فإن أغلب أحزاب اليمين واليسار قد دعت أنصارها للتصويت لماكرون الذي توجه لها بضرورة إيجاد تحالف وطني لقطع الطريق على لوبان للفوز النهائي، بل إنه لا يرى حرجًا في الجلوس إلى إيريك زمور والإنصات إليه، أملًا في النجاح بإقناعه بالعدول عن تأييد لوبان.

وغنيٌ عن القول إن كل قواعد هذه الأحزاب لن تتقيد بتوصيات رؤسائها، وستصوت أجزاء منها للوبان، فيما قد تمتنع أخرى عن التصويت، وهو ما يجعل النتائج النهائية مفتوحة على المجهول، بالإضافة إلى وجود معارضة لماكرون من أحزاب اليمين واليسار على حد سواء.

لذلك، لا يمكن استبعاد ”حادث ديمقراطي“، كما يقول البعض.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك