اتجاهات

رحلة صيد

خالد شيا

خالد شيا

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 06 أبريل 2022 18:12 GMT

لا يستطيع الصيادون مهما أقسموا واستحضروا من شهود، نزع وصمة الخفة عن أحاديثهم، فكل قصصهم في الموروث الشعبي، مرادفات للمبالغات الفاقعة على الأقل، والأكاذيب بغير

لا يستطيع الصيادون مهما أقسموا واستحضروا من شهود، نزع وصمة الخفة عن أحاديثهم، فكل قصصهم في الموروث الشعبي، مرادفات للمبالغات الفاقعة على الأقل، والأكاذيب بغير حساب على الأغلب.

سرديات الصيادين، لا تقيم وزنًا للمنطق، ولا تتحلى بفضيلة الاعتذار العلني عند السقطات الفادحة، وأقصى ما يقدمه الحكّاء البارع للمتغامزين، قهقهة عالية، ماكرة، وانتقالًا مباغتًا إلى قصة مشوقة أخرى من أجل ”لفلفة الموضوع“ قبل السقطة التالية.

قصص الصيادين، مهما تنوعت وتبدلت شخوصها، تبقى مشدودة بخيط واحد قوامه بهارات الكذب، والظرف، وسخاء الراوي في تلبية احتياج البشر لضحكة صافية، والتخفف من تقشف الحياة في الريف بفرجة مسرحية باهرة، يولّد فيها الصياد الحكايات على طريقة ألف ليلة وليلة، ويبدل المشاهد برمشة عين، متنقلًا بالصوت والحركة بين الصيف والشتاء، وبين الأودية والجبال.

كل معلم في البرية يرتبط عنده باصطياد ضبع بطلقة أو سكين، بعد منازلة ضارية، وقتل ذئب بيدين عاريتين وما لا يحصى من الثعالب والأرانب ورفوف الحجل وطيور السمان، وقد يحضر ثقيل ظل يحاججه بالمنطق، ولغة الأرقام المتجهمة الباردة فيفسد على الجميع حفلة السمر.

لا يصف نفسه بالنبل، لكن سيرته تنبئ عن ذلك، فهو يوزع صيده على الجيران، وأحيانًا على الغرباء في الطريق.. لا يتسلى بإطلاق النار على حمائم الأهالي، ولا يخرج للصيد في مواسم التزاوج، كأنه قادم من إحدى روايات الفرسان في القرون الوسطى.

شجاعته توثقها لياليه في الشعاب المخيفة وسط الوحوش، وتعرضه عشرات المرات في المكامن للدغات العقارب دون أن يقول ”آخ“ كيلا تجفل الطريدة، ويندر أن تخلو تلك السهرات من شاهد زور مرحب به من الجميع، لا ينطق إلا بكلمة واحدة كلما نظر إليه الصياد في خاتمة ”سالفة“ لا تصدق: صحيح.

يعرف الساهرون أنه يكذب بلا مواربة، ويعرف أنهم يعرفون، يدرك حاجتهم له، ويدركون حاجته لهم.. الجميع يتواطأ لإطالة مدة العرض وكأنه التشبث بالحياة.

لم يكن لدورة الأيام في القرى المنعزلة أي معنى، من دون الرواة الكذبة، الذين كانوا ملح الليالي الطويلة، وأعداء الضجر.

براءة الصيادين الأولى، وفتنة أكاذيبهم المحببة البعيدة عن الأذى، شحبت مع مرور الزمن، بتقاعد أبطال المهنة، وانفضاض السامرين.

كل منا، تحول إلى صياد على طريقته، فوجد بريته الخاصة في المدن المزدحمة، وطرائده المستحدثة، وطوفانًا من الأكاذيب الفجة، وقصص البطولات المعلبة.

كذب سمج في كل شيء، من دون أي شبهة للظرف، ونفاق على مدار الساعة باعتباره إكسير عيش: كذب في حب قيم العمل، وإعلاء مبدأ الكفاءة والمساواة في الفرص وإقصاء المحسوبية، كذب في عدد الكتب المقروءة والأسفار، واحترام حقوق المرأة والرأي الآخر، كذب في نوع القهوة المفضلة وأغنيات الصباح، كذب في حب الراية والنشيد و“الأخ الأكبر“.

شتان ما بين بهاء الحياة على مسرح الصيد القديم، وشقاء العيش خلف عينين من زجاج.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك