اتجاهات

التماثيل خوذ للمحتجين الكازاخ
تاريخ النشر: 11 يناير 2022 6:42 GMT
تاريخ التحديث: 11 يناير 2022 10:15 GMT

التماثيل خوذ للمحتجين الكازاخ

رمزي الغزوي وكأن كلَّ الدماءِ السّارية في عروق طغاة الأرض تتشابه بحدِّها وحديدها، ولؤمها وصديدها. وكأن في تلافيف أرواح هؤلاء تعشّش ذات الطيور الناعقة بأنهم لبّ

+A -A

رمزي الغزوي

وكأن كلَّ الدماءِ السّارية في عروق طغاة الأرض تتشابه بحدِّها وحديدها، ولؤمها وصديدها. وكأن في تلافيف أرواح هؤلاء تعشّش ذات الطيور الناعقة بأنهم لبّ الكون ورأسه وسرّه المكين. وكأنهم حين يوشكون على حافة السقوط ينتابهم أسوأ أنواع الانفصامات النفسيّة التي تضرب البشر: الانسلاخ عن الواقع وإنكاره، وقراءته بعنجهية مبعوجة تستكثر على الرازحين تحت وطأة نيرهم أن تنقدح من صخر أجسادهم شرارة تروم إحياء فتيل حياة غمرها القهر.

ولهذا، كان متوقعاً أن يشيطن الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف المحتجّين في نور سلطان وألماتي وغيرهما من بقاع البلاد، ويدّعي بأنهم مدفوعون من جهات خارجية، وينعتهم بالإرهابيين وقاطعي الطريق، وأن الواحد منهم لا يستحق سوى رصاصة بين الحاجبين. ولم يدر في خلده، ولو للحظة عابرة غير سابرة أن الفقر الراتع في سهوب البلاد النفطية، أو فسادها المستشري في الأوصال، لربما يكونان سبباً كافياً يوجب انقداح شرارة من ضحية يحشرج في روحها بركان احتقان منذ سنوات. الإنكار سيد المواقف في عرف الطغاة وديدنهم من نيرون حتى كيم جونغ أون.

لم يفلح الصديق المبدع أمجد رسمي في كاريكاتيره المنشور في جريدة الشرق الأوسط يوم الأحد الماضي، في نقل واقع الحال حين رسم رجلاً روسيّاً يغرس علم بلاده في منصة كازاخستان، مُبعداً شرطيّاً مدجّجاً بهراوته، وفقيراً لا يتسربل إلا بمرقوع ثيابه وجيشان روحه. فيا صديقي: روسيا لم تغادر؛ كي تعود مجدّداً. وهو ما ينطبق على عموم الجمهوريات الإسلامية الأخرى في آسيا الوسطى، وقد كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي المنهار، طاجيكستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان وتركمانستان. روسيا وإن غادرت رسمياً فقد خصّبت تربة فيها لا تفرّخ إلا طغاة شديدي البأس على أبناء جلدتهم، لكنها تديرهم كأيادي الأبواب كيف تشاء، وأقرب مثالين يتجلى فيهما هذا هما الرئيسان، التركماني الراحل صفر مراد نيازوف، الذي أبدع في تجبره وهلوساته، لا سيّما بعد أن فرض كتابه ”روح نامه“، ونزارباييف، الذي تنحّى قبل سنتين عن حكم كازاخستان مبقياً خيوطها طوع بنانه وبناته؛ ولهذا رأينا المتظاهرين دون هوادة يهدمون تماثيله شرق البلاد وغربها، غير مردّدين لقبه الذي كان جارياً على كل لسان: ”إلباسي“، أي زعيم الأمة وأباها، بل هاتفين بغضب: ”شال كيت“، أي ارحل أيها العجوز.

كان الغاضبون في روما القديمة يحطمون تماثيل من يثورون عليهم من الساسة والقادة، ولكنهم كانوا أحياناً يعيدون صبّ معدنها لصنع تماثيل لزعماء جدد، قد يعيدون إذلالهم بالطرق ذاتها. وفي أمريكا، خلال نضالها لنيل الاستقلال، أقدم بعض ثوارها في نيويورك عام 1770م على صهر تمثال لجورج الثالث، ملك إنجلترا، وصنعوا منه فوهات لبنادق دحروا بها جنوده.

حتى الآن لا نعرف مآلات ونهايات ما جرى ويجري في بلاد الأحرار الكازاخ، ولا كيف سيستخدمون أشلاء التماثيل الثقيلة، مع أن القلب، وفي لحظة إشفاق من قسوة الطغاة وصلفهم، وبعد التدخل العنيف من الروس؛ سيقول للمحتجين: اصنعوا خوذاً لرؤوسكم عساها تحمي مثلثات القتل بين الحواجب، وما تبقى من أشلاء ادخروه لفوهات بنادق سيحتاج بارودها المبلول كثيراً من التحميص.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك