اتجاهات

بين "طوق الحمامة".. وقبلة "الإفطار الأخير"

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 08 ديسمبر 2021 14:54 GMT

إبراهيم حاج عبدي سارع "فقهاء الظلام"، مرة أخرى، إلى إشهار سلاح الرفض والنقد والاستنكار و"التجريح الشخصي"، في وجه مقطع دعائي للفيلم السوري "الإفطار الأخير" لمجرد

إبراهيم حاج عبدي

سارع ”فقهاء الظلام“، مرة أخرى، إلى إشهار سلاح الرفض والنقد والاستنكار و“التجريح الشخصي“، في وجه مقطع دعائي للفيلم السوري ”الإفطار الأخير“ لمجرد احتوائه على قبلة تجمع بين زوج وزوجته، وهما بطلا الفيلم.

الفيلم هو أحدث أعمال المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد، قامت بإنتاجه المؤسسة العامة للسينما السورية، ويلعب دور البطولة فيه عبد المنعم عمايري وكندة حنا، اللذين تحولا إلى ”دريئة“ تتلقى سهام التجريح لكونهما ثارا على عادات المجتمع السوري، والعربي عموما، وانتهكا قيمه المحافظة، باقتراف ”قبلة“ على مرأى قبيلة مواقع التواصل الاجتماعي، التي تضم خليطا هائلا لا يجمعها سوى الدفاع المزعوم عن الأخلاق.

يروي الفيلم قصة ”سامي“ (عبد المنعم عمايري) الذي يعاني من أزمة نفسية حادة بعد وفاة زوجته ”رندة“ (كندة حنا) متأثرة بشظايا قذيفة سقطت على منزلهما، ليقود المخرج بطليه في رحلة جدلية حول فلسفة الحياة والموت والأحلام من خلال الغوص في ذكريات سامي الذي يسترجع تفاصيل رومانسية جمعته بزوجته في آخر إفطار لهما، تبادلا خلاله ”القبلةـ الخطيئة“، التي جاءت في سياق درامي منطقي، دون أن يكون مقحما أو مبتذلا.

ومن المعروف أن المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، صاحب ”ليالي ابن آوى“ و“رسائل شفهية“ و“صعود المطر“ وغيرها، حريص في أفلامه، التي نالت قدرا واسعا من الاحتفاء والجوائز، على إظهار الحد الأدنى من المشاهد التي قد تثير ”أحكاما أخلاقية تعسفية“، لكن الكم الهائل من التعليقات الرافضة لمشهد القبلة في فيلمه الأخير، يطرح تساؤلات محيرة ومقلقة حول مسألتي ”التشدد“ و“التسامح“، ويقود المتابع إلى عقد مقارنات ”بريئة“ بين تراث عربي، نثرا وشعرا، حافلا ليس بـ ”رضاب القبلات“ فحسب، بل بمشاهد حسية جمالية تتغنى بمفاتن المرأة، وتصور قسمات جسدها، وتظهر مغامرات عاطفية وجنسية صريحة، كما في ”ألف ليلة وليلة“ و“طوق الحمام“ لابن حزم الأندلسي وأشعار أبو نواس وامرؤ القيس ناهيك عن قصص الحب التي خلدتها القصائد، من قبيل ”جميل بثينة“، قيس وليلى“، ”عنتر وعبلة“… وسواها، وبين واقع عربي راهن مأزوم لم يعد يتسامح مع أي كلمة أو صورة أو مشهد مهما كان بسيطا، فقد أصبحت تهمة ”خدش الحياء العام“ جاهزة، يشهرها ”المتزمتون“ عند أي واقعة مماثلة.

وكي لا نتوه في إيراد أمثلة لا تحصى من تراث النثر والشعر العربي القديم، نعود إلى السينما العربية التي كانت حافلة، بدورها، في خمسينات وستينات القرن الماضي بمشاهد القبلات الساخنة وعرض الأجساد على الشواطئ وصولا إلى غرف النوم، وغالبية هذه المشاهد، بالمناسبة، لم تكن تخدم السياق الدرامي للفيلم، بقدر ما كان الهدف منها تجاريا لاستمالة ”الزبون السينمائي“ إلى شباك التذاكر، ورغم ذلك لم نشهد سجالات ومعارك حولها، ولم تظهر اتهامات تطالب باقتياد الفنانين إلى ”مقصلة الأخلاق“، كما هو الحال في الوقت الراهن.

والمفارقة أن هؤلاء الذين يصدرون فتاوى بمنع مشاهد الحب والرومانسية، ورفض أي تلميحات جنسية في الفن عموما، دون أي إلمام بطبيعة العمل الفني، هم أنفسهم من يصدرون فتاوى القتل والتفجيرات الانتحارية، ويكرسون مفاهيم ”التشدد والغلو“، ويتسامحون مع مشاهد قطع الرؤوس وتدمير بيوت الآمنين، ومهاجمة مارة إبرياء في الحواضر الأوروبية، وهو ما يعيد إلى الأذهان مقطعا معبرا من قصيدة للشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين، الذي تساءل قبل نحو خمسة عقود:  ”ماذا نفعل إذا كان ثمة عيد واحد للقبلة وأعياد كثيرة للقتل .. ماذا نفعل؟ فكيف لو عاش الشاعر حتى هذه اللحظة وعاين كل هذا الخراب.

تقول الدراسات السيوسيولوجية والسيكولوجية إن المجتمعات تستفيد من دروس الماضي، إذ تتطور وتتصالح مع نفسها وتغدو أكثر تسامحا وتقبلا للتعدد والاختلاف والتنوع، كلما راكمت خبرات تاريخية، غير أن المجتمعات العربية، على ما يبدو، تأبى الخضوع لهذه القاعدة الحتمية، إذ تقدم نفسها على أنها استثناء، وتتمسك بالانكفاء على ذاتها، وتتقوقع ضمن قوالب نمطية بالية، بذرائع الدفاع عن ”الإسلام والهوية المهددة“، والتصدي لما تعتبره غزوا ثقافيا غربيا ليبراليا، وهو ما سخر منه الناقد السعودي عبد الله الغذامي الذي رأى مقولة ”الغزو الثقافي“ ليست سوى مقولة واهمة، هدفها المبالغة في تخويف الذات“، فكيف يستقيم الجمع بين مفردة ”الغزو“ ومفردة ”الثقافة“، وهما على طرفي نقيض.

قبلة في فيلم تغضب الجموع الغفيرة، وتفجر لديها قريحة الدفاع عن القيم والأخلاق الحميدة، بينما تنهار العواصم العربية، ويتفرق الناس لاجئين في مغارب الأرض ومشارقها، وتمتلئ صور العنف المفرط وسائل الإعلام ومواقع التواصل، من دون أن يثير ذلك حمية ”حماة الأخلاق“، الذين بات لزاما عليهم أن يقرأوا تاريخهم جيدا، كي يدركوا أن قبلة في فيلم ليست جريمة، وإنما هو غيض من فيض التراث الجمالي العربي الحافل بالقبلات وأكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك