اتجاهات

مخيم الهول.. مأساة على تخوم الصحراء

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 03 ديسمبر 2021 13:42 GMT

إبراهيم حاج عبدي لا تصل صرخات واستغاثات المحتجزين في مخيم الهول بمحافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، إلى أروقة الأمم المتحدة وعواصم القرار، فمأساة هذا المخيم المنسي،

إبراهيم حاج عبدي

لا تصل صرخات واستغاثات المحتجزين في مخيم الهول بمحافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، إلى أروقة الأمم المتحدة وعواصم القرار، فمأساة هذا المخيم المنسي، الواقع على بعد نحو 35 كم جنوب شرق مدينة الحسكة، ليست ملحّة لأحد، باستثناء قلة يرون فيها ”قنبلة موقوتة“ قد تنفجر في أي لحظة.

يعيش في هذا المخيم المكتظ، المقام على تخوم الصحراء قرب الحدود السورية/العراقية، نحو 60 ألف شخص، وهو ضعف طاقته الاستيعابية، وهم ينحدرون من نحو 50 جنسية، وغالبيتهم من النساء والأطفال من عوائل مسلحي داعش، الذين سقطوا في معارك القضاء على التنظيم.

وتروي حكاية هذا المخيم تاريخ العنف والحروب في المنطقة، فقد افتتح، للمرة الأولى، مطلع تسعينات القرن الماضي لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب ”إخراج العراق من الكويت“، ثم أصبح شبه مهجور، ليستقبل مجددا لاجئين فروا عند الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومع صعود تنظيم تنظيم داعش ظهرت الحاجة من جديد إلى هذا المخيم الذي استقبل الفارين من مناطق سيطرته في سوريا، ليتحول مع بداية 2019 إلى مكان لاستقبال الأعداد المتزايدة من أفراد أسر مقاتلي داعش الذين هزموا في شهر مارس من ذلك العام.

معاناة قاطني المخيم، الخاضع لسيطرة الإدارة الكردية، المحدودة الإمكانات والموارد، والتي تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية، لا تقتصر على نقص الخدمات وغياب الرعاية الصحية، والافتقار الى أبسط مقومات العيش، بل تشمل كذلك الجانب الأمني ”الهش“، في المخيم، إذ تقول التقارير إن أكثر من 80 شخصا قتلوا، بهجمات مختلفة، في المخيم منذ مطلع العام الجاري، ليكون بذلك ”أكثر الأماكن دموية في العالم“، وفق وصف صحيفة الاندبندنت البريطانية.

المعضلة الرئيسية في المخيم، الذي ترتفع فيه معدلات الجريمة والسرقات والاختطاف والابتزاز، تتعلق بالأطفال، إذ يقدر عددهم بنحو 27 ألف طفل، محرومين من كل شيء بدءا من التعليم وليس انتهاء بالرعاية الصحية، فيما الأمل يتضاءل في انفراجة قريبة، ذلك أن تلك الانفراجة المنتظرة مرتبطة، على ما يبدو، بتسوية سياسية شاملة في سوريا، وهي ليست قريبة المنال، وفقا للمعطيات والظروف الحالية.

في هذه البيئة العنيفة والقاسية، التي يكبر فيها هؤلاء الأطفال الضحايا، وأوصدت جميع الأبواب في وجوههم، باستثناء باب واحد هو باب ”التطرف والتشدد“، فمن المرجح، كما تشير تقارير حقوقية، أن هؤلاء الأطفال لن يجدوا أمامهم أي خيار سوى التحول إلى ”جهاديي المستقبل“، فهم يعيشون في محيط ضيق يكره الغرب، ويحث على الانتقام والثأر، وسط غياب أي جهد لتصحيح المفاهيم المتطرفة التي يتشربونها في ذلك المخيم البائس.

وإزاء هذا الوقع المأساوي القاتم، طالبت منظمة العفو الدولية، في أحدث تقاريرها، بضرورة إعادة أطفال الهول إلى بلدانهم الأصلية وإعادة اندماجهم في تلك المجتمعات، مشيرةً إلى أنّهم معرّضون لظروف ”مروعة“ و“مميتة وغير إنسانية“، وهم مضطرون على الدوام لمواجهة البؤس والصدمات والموت.

لكن، ورغم النداءات المتكررة من منظمات حقوقية ومن واشنطن وكذلك رغم مناشدات الإدارة الذاتية لحكومات العالم من أجل تحمل مسؤولياتها واستلام رعاياها من النساء والأطفال في المخيم لكن ”لا حياة لمن تنادي“، فاستجابة الحكومات حتى الآن، تبدو خجولة، ولم تتم استعادة سوى قلة قليلة من الأطفال لا يتجاوز عددهم العشرات.

يستحق هؤلاء الأطفال أن تهتم بهم حكوماتهم، فهم في النهاية ضحايا ولدوا في الزمان والمكان الخطأ، ورغم ان قضيتهم تبدو مستعصية فهناك عوائق قانونية وأمنية وسياسية تعرقل تسوية أوضاعهم، غير أن المسألة، وأيا كانت التحديات، تحتاج، بصورة عاجلة، إلى تحرك دولي أكثر من مجرد ”التعبير عن القلق“، وهو عبارة دبلوماسية حصرية للأمم المتحدة تكررها دائما للتهرب من المسؤولية، فيما ينتظر أولئك الأطفال من ينتشلهم من براثن الجوع والمرض والقهر والموت دون أن يدركوا لماذا قذفت بهم الأقدار إلى هذا الجحيم الأرضي.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك