اتجاهات

الإعلام العربي الرسمي.. ضياع في "القرية الصغيرة"

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 16 نوفمبر 2021 14:05 GMT

إبراهيم حاج عبدي ينسب إلى الشاعر والمسرحي السوري الراحل ممدوح عدوان جملة ناقدة تقول إن الإعلام السوري "يكذب حتى في النشرة الجوية". هذه العبارة البسيطة تكاد

إبراهيم حاج عبدي

ينسب إلى الشاعر والمسرحي السوري الراحل ممدوح عدوان جملة ناقدة تقول إن الإعلام السوري ”يكذب حتى في النشرة الجوية“.

هذه العبارة البسيطة تكاد تختزل نصف قرن من تجربة الإعلام الرسمي، ليس السوري فقط وإنما العربي عموما، فهو يكرر منذ عقود جملا وتعابير فقدت أي معنى لفرط استخدامها من قبيل: ”بحث الجانبان القضايا ذات الاهتمام المشترك“، ”تناول الطرفان سبل تعزيز العلاقات“، ”وصف…الاجتماع بـ المثمر والإيجابي“، ”ساد الارتياح أجواء اللقاء“، ”وجهات النظر كانت متطابقة أو متقاربة حول قضايا المنطقة“، ”تعهد الطرفان بالعمل لأجل مصلحة الشعبين الشقيقين“… وغيرها من الصيغ التحريرية ”الجامدة“، البعيدة عن أي لمسة إبداع، والتي تصلح لجميع اللقاءات والقمم بين المسؤول العربي وضيفه.

الإعلام العربي الذي يكرر هذه ”الكليشهات الصدئة“، لم يفصح لمتلقيه، حتى الآن، عن طبيعة تلك القضايا ذات الاهتمام المشترك، ولم يقل ما هي ”وجهات النظر تلك ولمَ كانت متطابقة؟“، ولم نشهد ثمرة ذلك العمل الذي تعهد الطرفان القيام به لأجل مصلحة الشعوب، بل بقي متمسكا بلغته الخشبية، دون أدنى اجتهاد، وحريصا على المسائل الشكلية من قبيل الصور التي تظهر الزعيم وهو يهبط من سلم الطائرة، ثم استعراض حرس الشرف، والابتسامات التي تعلو الوجوه وصولا إلى باب قاعة الاجتماعات…عندئذ، تطفأ الكاميرات، وتظهر المانشيتات التي تكرر العبارة السحرية الغامضة: ”القضايا ذات الاهتمام المشترك“.

اللافت أن الإعلام العربي ”الرسمي“ لم ينتبه، بعد، إلى الزلزال الذي أحدثته الثورة الرقمية التي أتاحت بدائل لا تحصى، فالمشاهد الذي يريد أن يعرف ما الذي دار في تلك الاجتماعات يتنقل بكبسة زر بين الفضائيات و“الأقمار“، والوكالات ومواقع الإنترنت و“السوشال ميديا“، ليحصل على الخبر والتحليل والرأي، ويفهم فحوى تلك اللقاءات، بينما يمعن الإعلام الرسمي في التمسك بقاموسه اللغوي الفقير، وكأن اللغة العربية، على رحابتها ومرونتها، قد نضبت.

ووسط هذا السيل الإعلامي المتدفق، العابر للحدود والهويات والجغرافيات، ما زال الإعلام ”الرسمي“ يؤثر الرقيب المطيع على الصحافي المجتهد، ويفضل الموالي المهادن على المحرر المشاغب، وبالتالي لا يمكن أن تسمع رأيا مخالفا على الشاشات الرسمية، ولا تأمل في العثور على عنوان ”خارج النص“، فهذا الإعلام الرسمي إذا ما أراد الإيحاء بأنه يفسح المجال لـ“الرأي والرأي الآخر“، فإن الأمر لن يتعدى أسعار البطاطا والبندورة والوقود، وتقارير عن الموضة والرياضة، وقيمة العملة المحلية، وحالة الطقس، المشكوك في دقتها، كما رجح عدوان، كما أن النقد في هذا الإعلام الرسمي لن يتجاوز أداء مدير مدرسة أو رئيس مخفر أو مدير مدجنة في بلدة منسية، نائية، أو مسؤول من الدرجة السابعة في وزارة من الوزارات.. وما سوى ذلك سوف يخضع لتقدير الرقيب الذي يتقن دوره على أكمل وجه، فهو متسلح بـ“مقص كريم“ حريص على إقصاء كل ما قد يشوه سمعة ”الزعيم“ أو يلطخ صورة ”الوطن السعيد“.

استهل الراحل يوسف شاهين فيلمه ”المصير“، الذي يتناول تجربة الفيلسوف الفذ ابن رشد، بعبارة: ”الأفكار لها أجنحة لا يستطيع أحد أن يمنعها من الطيران“، وهي صيحة كان قد أطلقها ابن رشد لدى حرق كتبه من قبل حراس الظلام، آنذاك. ربما من المفيد تذكير القائمين على الإعلام الرسمي العربي بهذه المقولة التي تحض على أن أوان تغيير ”التعابير والقواعد التحريرية المبتذلة“ قد حان منذ زمن بعيد، فالأخبار و“الأفكار“ ستنتشر في ”القرية الصغيرة“، رغم ”فلاتر التلميع“ الرسمية، ولم يعد من المجدي اختبار صبر مشاهد لا يفارق الريموت كونترول يده، وسرعان ما يضغط زرا وهو يردد في قرارة نفسه مقطعا من قصيدة أبو فراس الحمداني: أراك عصيَّ الدمعِ شيمتك الصبر!

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك