اتجاهات

جورج قرداحي.. وفراشات فريد الدين العطار

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 31 أكتوبر 2021 9:08 GMT

إبراهيم حاج عبدي تقول حكاية وردت في كتاب "منطق الطير" للمتصوف والشاعر فريد الدين العطار، بتصرف، إن ثلاث فراشات حاولت أن تختبر ماهية الشمعة، فقالت الأولى من

إبراهيم حاج عبدي

تقول حكاية وردت في كتاب ”منطق الطير“ للمتصوف والشاعر فريد الدين العطار، بتصرف، إن ثلاث فراشات حاولت أن تختبر ماهية الشمعة، فقالت الأولى من بعيد: هذه تضيء، أما الثانية فاقتربت، وقالت: هذه تضيء وتحرق، في حين اقتربت الثالثة أكثر لتعرف ماهية الشمعة عن كثب، لكنها احترقت بنارها وأخذت حقيقة الشمعة معها.

هذه الحكاية الرمزية تشير إلى أن الحقيقة نسبية، متعددة الأوجه، والوصول إليها يتطلب مشقات لا تحصى، دون أن يظفر أحد بيقين مطلق، ففضيلة الحقيقة تكمن، أساسا، في شغف البحث عنها، غير أن الإعلامي اللبناني جورج قرداحي، خالف ”منطق الطير“، وأطلق ”أحكاما مطلقة“ دون أن يرف له جفن، ليفجر أزمة دبلوماسية تتوالى فصولها تباعا، إذ كان قال في معرض إجاباته لإحدى منصات الجزيرة القطرية إن ”الحوثيين في اليمن يدافعون عن أنفسهم أمام عدوان خارجي“.

وعندما سئل عن ما إذا كان يعتقد أن ما تفعله السعودية والإمارات، هو اعتداء على اليمن، رد الإعلامي ”اللبق“، صاحب الصوت الجهوري ”إن هناك اعتداء بالتأكيد، وإن الحرب في اليمن عبثية يجب أن تتوقف“.

هذه الأحكام القطعية، لا تليق بالصحفي والإعلامي الذي ينبغي أن يكون، على الدوام، شكاكا وفضوليا، غايته القصوى هو السؤال تلو السؤال، دون أن يسمح لنفسه بـتقديم ”الأجوبة الناجزة“، فهذه مهمة السياسيين والدبلوماسيين وأصحاب القرار.. ومن هنا كان على الصحفي ”العتيد“ قرداحي، أن يتأنى في ردوده، وأن يتساءل عن طبيعة جماعة تستقوي بإيران، ويتوقف عند أخبار المسيرات الحوثية التي تستهدف الأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، وأن يمعن في تقارير أممية وحقوقية، محايدة إلى حد بعيد، تتحدث عن انتهاكات هذه الجماعة، التي تعربد على أرض ”اليمن السعيد“.

أدلى قرداحي بهذه التصريحات، التي تسيء إلى دولة احتضنت بداياته ولمعته كنجم إعلامي، قبل نحو شهرين، في خضم الحديث عن تشكيل وزاري مرتقب في لبنان، وهو ما فسره خبراء على أن ما صدر عن قرداحي، كان بدافع الطمع في تسلم حقيبة الإعلام في بلاده، انسجاما مع رؤى الحلف المثير للجدل ”عون/حزب الله“، وهو ما يتيح الاستنتاج بـ ”انتهازية“ القرداحي، الذي استغل، علاوة على ذلك، صداقته مع الرئيس اللبناني ميشال عون، كي يحظى بالمنصب الرفيع.

وفي الشأن السوري، كذلك، لم تغب عن تصريحات قرداحي تلك النبرة المطمئنة، الخالية من أي ملمح للريبة والتردد، والمنحازة بالمطلق، إلى طرف ضد آخر، فهو يؤيد الرئيس السوري، ويدافع عن ممارسات حزب الله، سعيا للاتساق مع منظومة فكرية وأيديولوجية وعقائدية تعكس صدى ”الثورة الإيرانية“ التي ابتليت بها المنطقة منذ 4 عقود.

من هنا، لا ينبغي الغفلة عن أن العاصفة الدبلوماسية التي فجرها قرداحي، تتجاوزه كفرد، فهو مجرد ”بيدق“ صغير على رقعة جيوسياسية واسعة تمتد من طهران وتمر ببغداد والمنامة وصنعاء، وصولا إلى دمشق وبيروت.. تحرك أحجارها ”العمامة والطائفة“ بعيدا عن قيم المواطنة والتعددية والحوار.

لا أحد ينكر أن لـ قرداحي، حضورا إعلاميا مؤثرا، وهو قدم برامج حازت شهرة ونسب مشاهدة عالية، لكن آراءه السياسية ”الصادمة“ تخلق شرخا بين صورة إعلامي ”ماروني“ منفتح أنيق، بهي الطلعة، ليبرالي الهوى، وبين مدافع عن جماعات ميليشياوية متزمتة، تعادي كل قيم الحداثة والتطور والتنمية.. وهو لطالما عرف ”من أين تؤكل الكتف“، عبر الجمع، بكثير من النفاق، بين المتناقضات، غير أن ثمة من وقف في وجهه هذه المرة، ونبهه إلى أن ”اللعبة انتهت“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك