اتجاهات

سمعة مصر في مهب الـ"ريش"

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 24 أكتوبر 2021 12:57 GMT

إبراهيم حاج عبدي أثار الفيلم المصري "ريش"، لدى عرضه الأول في الدورة الأخيرة لمهرجان الجونة السينمائي، وحصوله في الختام على جائزة "أفضل فيلم عربي"، عاصفة من

إبراهيم حاج عبدي

أثار الفيلم المصري ”ريش“، لدى عرضه الأول في الدورة الأخيرة لمهرجان الجونة السينمائي، وحصوله في الختام على جائزة ”أفضل فيلم عربي“، عاصفة من المواقف وردود الأفعال من نقاد وفنانين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين رأوا في الفيلم الروائي الأول لمخرجه الشاب عمر الزهيري إساءة لسمعة مصر.

الفيلم، الذي كان قد عرض في مهرجان كان السينمائي الأخير، وخرج منه بجائزة مرموقة (الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد) ومر في المحفل الفرنسي مرور الكرام، تحول لدى عرضه في الجونة إلى ”عمل فني مخرب، مدفوع الأجر، يسعى لتقويض جنة ”الرخاء المصري“ عبر عدسة فضولية تتلصص على السلبي دون الإيجابي!.

الذريعة التي يسوقها الغاضبون تتمثل في أن الفيلم يرصد حكاية أسرة مصرية بائسة، ضمن قالب عبثي ساخر يظهر واقع شريحة اجتماعية تعيش في فقر مدقع، مع ما يستتبع ذلك من مشاهد قاتمة وكوميديا سوداء، وهو ما رأى فيه المعترضون وبينهم الفنان شريف منير وأحمد رزق وأشرف عبدالباقي وسواهم، ”مكاشفة وقحة“ أطاحت بـ“سمعة مصر“.

ومن نافل القول، إن قواميس النقد السينمائي لم تتوفر بعد على مفردة ”الإساءة للسمعة“ في تقييم الشريط السينمائي، فثمة الكثير من الأدوات والمفاهيم والمصطلحات النقدية يمكن توظيفها لقراءة فيلم ما على نحو سليم، ليس بينها، بالطبع، ”الإساءة للسمعة“.

الأزمة تكمن، إذا، في ”التسييس التعسفي“ لفيلم ريش، وهو ما يفسر هذا الانقسام الحاد، ”غير النقدي“، بين من رأى في الفيلم تحفة سينمائية، وآخرون وجدوا فيه ”عملا شريرا“، ليغدو الفيلم، والحال كذلك، استفتاء على الأداء السياسي للنظام المصري الحالي، إذ ذهب الموالون له إلى ذم الفيلم، بينما اختار المعارضون مدحه.

هذه الواقعة تعيد إلى الأذهان أزمة مماثلة جرت مع المخرج الراحل يوسف شاهين حين عرض فيلمه القصير ”القاهرة منورة بأهلها“ في مهرجان كان، مطلع تسعينيات القرن الماضي، ليواجه بدوره عاصفة من ”الانتقادات الوطنية“ لا لخطأ سينمائي جسيم ارتكبه شاهين، ولا لمغالطة تاريخية وردت في الفيلم، بل لأن شاهين وضع يده، وعينه على ”جرح نازف“، وقال الحقيقة العارية بأكثر الصور وضوحا وقسوة.

رغم ذلك خرج شاهين من هذه المعركة ومن معارك أخرى منتصرا كأحد أبرز مخرجي السينما، ليس في مصر فحسب، بل في العالم أجمع، وهو بالنتيجة تحول، على عكس مهاجميه، إلى رمز يعبر عن سمعة مصر الناصعة في مجال الفن والأدب والعلوم.

الأمر ذاته يتكرر مع عمر الزهيري الذي قدم نفسه عبر هذا الفيلم كفنان طموح لا ينتظر إيرادات شباك التذاكر، ولا ثناء من الجهات الرسمية، الساعية دوما إلى ”تدجين الفنون“، بل آثر أن يحارب بأكثر الأسلحة نعومة وهي السينما، وأن يكون أمينا لسحر الفن ولوظيفته الرئيسة، وهي الكشف والتساؤل والمشاكسة والتمرد والإمعان في إظهار العلل، وقبل كل ذلك الانحياز إلى الفقراء والمهمشين واليائسين.

”ريش“ طار بعيدا عن الكليشهات والمشاهد التي تليق بالبطاقات البريدية وببروشورات وزارات السياحة الدعائية، ليحط قرب مكابدات أسرة فقيرة مصغيا إلى صوتها الخافت، وأحلامها المجهضة، مستعينا بعين سينمائية تقيس الأمور بإنصاف، وبإحساس مرهف.

بهذا المعنى، فإن الزهيري، الذي لاقى فيلمه احتفاء واسعا في أكثر من مناسبة سينمائية لا يسعى إلى تشويه سمعة مصر، بل بالعكس تماما، يعزز من مكانة مصر كدولة رائدة في مجال صناعة السينما راكمت تقاليد إنتاج سينمائية لعقود، وما ”ريش“ إلا ثمرة وتعبيرا عن هذا المجد السينمائي المضيء.

وفقا لذلك، فإن المحاكمات المجحفة ”الرقابية، والسياسية، والمجتمعية“ التي تعرض لها الزهيري لم تتخذ من القيمة الفنية والجمالية للفيلم، معيارا للتقييم، بل انطلقت من مدى مواءمة الفيلم لطبيعة تفكيرها، ولذهنيتها الباحثة عن فن ”طيّع، مهذب، مسلٍّ ونظيف“.

وجاءت أكثر الهجمات إيلاما ضد الزهيري من نقاد وفنانين يفترض بهم الدفاع عن الفن، لكنهم خانوا وظيفتهم واختاروا المهادنة والاصطفاف إلى جانب الغوغاء والسذج، وإذا كان مفهوما أن يفصّل النظام السياسي، أي نظام سياسي، الفن وفق مقاس أهدافه وأفكاره المعلبة، وهو مقاس ضيق، على أي حال، يضيّق الخناق على الفن والإبداع، فإن الغريب، حقا، وسط هذه القيود القادمة من فضاء خارج الفن، أن يتورط النقد السينمائي، بدوره، ويتواطأ مع من يطالب بتقييد الفنون.

على الناقد أن يحاسب المخرج السينمائي على عثراته، وأخطائه، وهفواته، وأن يسترسل، ما شاء له الاسترسال، في ذم الفيلم الركيك والمرتبك والمضطرب، أما أن يحاسب السينمائي لأنه كان جريئا، ونبيها، وصادقا، وحرا وأمينا لرسالة السينما ودورها في الرفض والاحتجاج، فذلك ليس من طبائع النقد أصلا، وعندما يهدأ قريبا هذا ”العنفوان الوطني“، الحريص على سمعة مصر، فالأرجح أن ”ريش“ سيجد حيزا مضيئا ضمن الفيلموغرافيا العالمية الأكثر رفعة التي تتغنى بسمعة مصر كبلد قادر، دوما، على الإبداع والدهشة والإبهار، بعيدا عن المعارك السياسية العابرة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك