أزمة الصحافة الورقية في السعودية … غير! – إرم نيوز‬‎

أزمة الصحافة الورقية في السعودية … غير!

أزمة الصحافة الورقية في السعودية … غير!

تاج الدين عبد الحق

إذا صحت التقارير عن أن الصحف السعودية، التحقت هي الأخرى بعشرات – إن لم يكن مئات الصحف العربية _ التي تعاني من ضعف الإقبال،  وشح الإعلان ، فإننا نكون وصلنا الهزيع الأخير لعصر الصحافة الورقية، وبتنا على أعتاب مرحلة جديدة  يكون فيها المحتوى الرقمي هو المسيطر، والمهيمن  على الساحة الإعلامية العربية .

فعلى الرغم من أن صحفًا عربية عريقة اضطرت إلى الاحتجاب، وصحفًا أخرى تنتظر، فإن وصول الأزمة للصحافة السعودية غير، والنتائج المنتظرة لمعاناتها، ستكون مختلفة عن كل ما سبق من أزمات.

نقول هذا لأننا نعرف أن السعودية بما تمثل من حجم وتأثير، وتنوّع، هي أكبر أسواق الإعلام والإعلان ،  في الوطن العربي، وهي بيضة القبان التي يتحدد بها، مدى نجاح أو رواج أي مطبوعة،  وكل إصدار.

ونقول ذلك لأن الدور الذي تلعبه السعودية في السياسة العربية منذ مطلع السبعينيات وحتى الآن، جعل من الصحف والمطبوعات التي تصدر في السعودية أو التي تموّل من قِبلها أو تأخذ حصة إعلانية منها ، هي الأكبر حجمًا، والأكثر تأثيرًا، والأفضل ربحية، واستدامة واستمرارًا.

اليوم تتبدل الحال،  فالإيقاع البطيء للصحافة الورقية، لم يعد يتناسب مع السرعة التي تصل بها الأخبار والمعلومات، فضلا عن أن كلفة إصدار أي مطبوعة ورقية تعادل كلف إطلاق عدة مواقع ومنصات إلكترونية، فيها من المعلومات والأخبار ما يفوق ما ينشر على الورق، وتتوافر فيها إمكانيات لا نهائية، تجعل من التصفح رحلة لا يحدها مكان ولا تتوقف عند زمان .

 وفوق هذا وذاك فإن أعداد القراء والمتابعين، للصحافة الورقية والرقمية تتبدل وتتغير، بحكم طبيعة الأشياء، على نحو متعاكس، ففيما يتراجع  عدد قراء الأولى، يتزايد  باضطراد عدد المتابعين للثانية .

إلى ذلك، فإن مساحة الحرية التي تتمتع بها المواقع الإلكترونية أكثر بكثير من الصحف الورقية التي تظل محكومة بحيز تأثير جغرافي محدد، ومحكومة بقوانين  مستقرة ومعروفة وقديمة، فيما الرقمية عابرة للحدود، وتفتقر إلى قوانين مستقرة تحكمها، وتسيطر عليها؛ ولذلك فإن إغلاق صحيفة ورقية يشبه حكما بالإعدام، في حين أن حجب موقع إلكتروني في مكان ما  لا يعني توقف بثه في مناطق أخرى، هذا فضلا عن أن الحجب لا يعني في ظل التقنيات الحديثة والمتطورة حجبا نهائيا وشاملا ، إذ يبقى الكثير من الوسائل التي يمكن من خلالها اختراق الحجب والتحايل عليه.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما يتوافر في الصحافة الرقمية من إمكانيات تجعلها أشبة بوحدات إعلامية شاملة لكل فنون العمل الإعلامي  المقروء والمسموع والمرئي، فإن المنافسة تصبح محسومة لصالح الإعلام الجديد.

كل ذلك تعزز مع إمكانيات التصفح الإلكتروني التي تحاكي من حيث السهولة قراءة الجريدة، أصبحت متوافرة باستخدام الأجهزة اللوحية والمحمولة وبدرجة أكثر سهولة وتنوعًا وشمولًا.

بالطبع هناك من يجادل بأنه لا يمكن الاستغناء عن الصحافة الورقية، وأن لها جمهورا يدافع عنها ويتمسك بها، إذ لا يزال ملايين من الناس ممن تربوا على قراءة الصحف يعتبرونها طقسا يوميا في حياتهم  وإرثا عزيزا من ذكرياتهم، لكن هؤلاء في تقلص وتراجع، فيما تتزايد أعداد الزائرين الجدد إلى عالم الملتيميديا، حتى باتوا أضعاف أعداد مَن ما زالوا مرتبطين بالصحف.

واقع الحال أننا في ربع الساعة الأخير من زمن الورق، وأن الجدل الدائر منذ سنوات حول مكان الصحافة الإلكترونية في عالم الإعلام، هو جدل عقيم، لا يقدم ولا يؤخر، الحقيقة الواضحة وهي أن الصحافة بشكلها التقليدي إلى أفول، فيما يتقدم الإعلام الحديث يوميا بتقنيات جديدة وأساليب حديثة . بل إن وجود الصحافة الرقمية نفسها يتهدده إعلام التواصل الاجتماعي الذي يصنع القراء محتواه ويتبادلونه فيما بينهم لا على سبيل التسلية كما كان الأمر قبل سنوات بل بهدف التأثير، على المواقف والسياسات، والذي بات واضحا في العديد من الأحداث والتحولات الكبرى .

يبقى أن نقول إن عملية الانتقال إلى عالم الملتيمديا لا تزال تأخذ  -إلى الآن- طابعًا عشوائيًا، بسبب حالة الشك والتردد والخوف، وبسبب حالة الاستسهال التي تجعل المواقع الصحفية تجارب فردية لا يحكمها ضابط قانوي أو رادع أخلاقي. وفيما تتقدم التجارب التي توفر لمحتواها حماية أدبية وفكرية، لا تزال التجارب العربية الجادة ضحايا لمافيا القص واللصق، والتي أصبحت مهنة من لا مهنة له.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com