صندوق النقد السيّئ السمعة

صندوق النقد السيّئ السمعة

لا أحد ينكر طابع التسييس الذي تأخذه بعض قرارات صندوق النقد الدولي، ولا الضغوط التي يتعرض لها من بعض المساهمين الكبار فيه، لمنع حصول دول معينة على معونات أو قروض، أو لفرض شروط صعبة عليها للدرجة التي يصبح فيها قرض الصندوق قيدًا على حريتها وانتهاكًا لاستقلالها.

ومعظمنا يذكر المواجهة المعروفة، بين الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وبين الصندوق، عندما طلبت مصر قرضًا لتمويل مشروع السد العالي، وكيف أنّ رفْض الصندوق لطلب مصر، التي أممت قناة السويس نتيجة لذلك، سبّب حربا في عام 1956 غيرت شكل الحياة في الشرق الأوسط سواء على صعيد التحالفات الدولية، أو على صعيد العلاقات الإقليمية.

لكن البناء على هذا الصيت السيئ، كان على الدوام “حقا أريد به باطلا”، فالنصائح التي يقدمها الصندوق لبعض الدول العربية كانت تتعرض لحملات إعلامية باعتبارها ضغوطا تحمل أغراضا سياسية، وأجندات خارجية. وكانت تلك الحملات تصور الحكومات التي تقدم لها مثل هذه النصائح، بأنها ضحية، وأن المشكلة مع الخارج، لا الداخل.

كانت المسألة الأثيرة في كل المواجهات مع الصندوق، هي قضية رفع الدعم عن أسعار بعض السلع الأساسية، وكأنها  النصيحة الوحيدة في مطالب الإصلاح التي يقدمها الصندوق. ومن الطبيعي أن تثير هذه المسألة ردود فعل لدى الشرائح الفقيرة والمحرومة والتي لا تستفيد عمليًا من أموال الدعم بالقدر الذي تستفيده الشرائح الغنية أو المقتدرة، والتي غالبا ما يكون الدعم سببًا في إسرافها في الاستهلاك أو تشجيعًا لها على الإهدار، كما هي الحال في الطحين والخبز المدعوم الذي يصبح جزء كبير منه إما علفًا للدواجن والحيوانات في مزارع الأثرياء أو مادة لصنع الحلويات يبيعها التجار بأسعار مضاعفة، لا يقوى عليها إلا المقتدرون.

وما ينطبق على الخبز ينطبق على المحروقات التي تستنزف معظم مخصصات الدعم المقدمة لها، لتوفير الوقود للسيارات الخاصة، بدل أن تخصص هذه الموارد في تحسين النقل العام، أسوة بالدول المتقدمة التي قلما يستخدم مواطنوها السيارات الخاصة، ويعتمدون في تنقلاتهم على وسائل النقل العمومي.

وفيما تطغى قضية رفع الدعم على ما عداها من نصائح الصندوق، فإن هذه القضية لا تشكل إلا رأس جبل الجليد في سلسلة طويلة من القضايا التي تكشف عن خلل عميق في السياسات المالية والاقتصادية لهذه الدول وعن مدى الترهل في عمل الأجهزة، والتضخم غير المبرر في الجهاز الإداري، والذي يستنزف جل موارد المالية العامة، ويعطل قدرات الدول في توليد فرص حقيقية للتشغيل، بدلا من البطالة المقنّعة التي تثقل كاهل الدوائر والمؤسسات الحكومية.

وفي هذا السياق، فإن خبيرًا اقتصاديا مرموقًا صادفته على الطائرة، أخيرًا، يرى أن كثيرًا من الدول العربية لا تحتاج إلا إلى ربع الكادر الوظيفي، الذي يثقل كاهل الحكومات، وأن باقي العاملين هم طاقات معطلة “بفتح الطاء” أو معطلة بكسرها.

ويقول الخبير إن هذه الحال لا يجوز أن تستمر في وقت أصبح فيه من الممكن إنجاز معظم معاملات الأفراد عن طريق الإنترنت (انظر الفيديو المرفق، مثلا).

ويضيف أن بلدا مثل الأردن مُصدّرٌ لخدمات تكنولوجيا الاتصالات، ووفر كوادر ممتازة ساعدت دولا عربية في تطوير الأجهزة الإدارية الحكومية وتحويل معظم خدماتها إلى خدمات إلكترونية عن بعد، ما زال هو نفسه يعاني من ترهل في جهازه الحكومي، للدرجة التي يحتاج إنجاز معاملة عادية إلى مراجعة شخصية لأكثر من جهة وعشرات التوقيعات والأوراق، وإلى التنقل لأكثر من مكان فيما يمكن اختصار كل ذلك بمجرد اعتماد الحكومة الإلكترونية، فعلا لا قولا.

والوصفة، كما يقول الخبير، هي تسريح معظم موظفي الإدارات الحكومية، وتحويلهم إلى مزودي خدمات من مكاتب خاصة، تتصل إلكترونيا بعدد محدود من المكاتب الحكومية، مقابل رسوم يتقاضونها من الجمهور، وإعفاءات ضريبية تشجيعية من الحكومة.

وقبل أن أطرح السؤال حول جيش العاملين الذين سيتم تسريحهم من وظائفهم كان جواب الخبير حاضرا، فاستطرد قائلا، إنك أمام خيارين، إما مشكلة بطالة مقنعة وفعلية تتضخم عامًا بعد عام، أو حل يتطور بتطور سياسات وإجراءات التشغيل.

ويزيد الخبير قائلا: الفاعلية التي ستنتج عن ترشيق الجهاز الحكومي وتحسيين الخدمات، فضلا عن الموارد التي سيتم توفيرها من الرواتب والأجور، ستكون كافية لتوفير فرص تشغيل لا لمن تم تسريحهم فقط، بل لجيوش العاطلين عن العمل الذين يدقون الأبواب، حاليا، صباح مساء بحثا عن فرصة عمل بين مئات الآلاف الذين تنوء مؤسسات الحكومة بتحمل تبعات تشغيلهم،  كما أن فرصة اجتذاب استثمارات، ومعونات خارجية في ظل حكومة رشيقة، لا تعاني وطأة الروتين، ستكون أكبر بكثير من الوضع الحالي الذي تضطر الحكومات معه إلى أن تستدين لا لتحفيز الاقتصاد، بل لإطعام مئات الآلاف من الموظفين الذين لا عمل لهم إلا “طق الحنك”…

***** فيديو.. في اليابان جواز سفر جديد في ثلاث دقائق

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎