لماذا استهداف باب المندب الآن؟

لماذا استهداف باب المندب الآن؟

قاسم عبدالرب العفيف

كان مضيق باب المندب، وما زال، جوهرة العرب الضائعة وسط كثرة الطامعين الساعين لفرض وصايتهم وهيمنتهم عليه، حيث نرى اليوم التراجيديا السوداء وهي ترمي شباكها عليه، وباتت الأساطيل الأجنبية تتسابق لحمايته، بحجة أنه ممر دولي.

وشهدت الفترة الأخيرة، سيناريوهات عجيبة، أبرزها استهداف الانقلابيين لسفن مدنية وعسكرية تابعة لدول مختلفة، أثناء عبورها المضيق، في مشاهد تحدث للمرة الأولى في تاريخ المضيق، حيث شهدت المنطقة حروبًا متعددة في القرن الأفريقي أو حول المضيق في الدول المطلة عليه، لكن لم يحدث قط أن تمّ استهداف السفن العابرة تحت أي مبرر كان، وظل ممرًا آمنًا للبواخر والسفن دون أي اعتراض.

ووسط هذه التطورات، ثمة أسئلة تفرض نفسها بقوة، فلماذا يتم استهداف السفن الآن؟ وما الأهداف التي يمكن أن يتوخاها الانقلابيون من ذلك وهم يعرفون أن ذلك سيجلب عليهم غضب العالم كله؟ وما هي العلاقة بين استهداف السفن ووجود قطع بحرية إيرانية في حوض المضيق ومع وجود قطع بحرية لدول أخرى؟ وما علاقة ذلك بإصرار أمريكا وبريطانيا على وقف الحرب دون قيد أو شرط بينما لم تحقق الحرب أهدافها؟

وهناك العديد من الأسئلة التي يجب أن تُطرح لكي نصل إلى الهدف الأخير من ذلك كله.

أعتقد جازمًا أن قرار تسخين الأجواء في محيط باب المندب في هذه المرحلة تحديدًا، يهدف إلى قلب الطاولة على التحالف العربي، وتشترك في ذلك دول إقليمية ودولية لتحقيق عدد من الأهداف، منها إحكام السيطرة على مضيق باب المندب، أي تدويل حمايته وإبعاد العرب عنه نهائيًا.

ثانيًا، إن وقف الحرب دون قيد أو شرط، يعني إعطاء الانقلابيين فرصة تحقيق هدف سعوا إليه طويلًا، وهو فرض الأمر الواقع على الأرض، مع تمكينهم من الوصول إلى مناطق إستراتيجية من المناطق المحررة، وبعدها التفاوض من منطق القوة مع الشرعية.

مع الأسف، إن إطالة الحرب كانت أحد تلك الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، كما أن الأخطاء التي حدثت مؤخرًا، وضعت التحالف والشرعية في وضع محرج، لذا لا بد من إعادة تقييم الوضع عسكريًا وسياسيًا وإنسانيًا حتى يتم الخروج بمصفوفة من القرارات تُمكن من الحفاظ على المكاسب المحققة، وأيضًا توخي تحقيق الهدف الذي قامت الحرب من أجله.

من الواضح أن هناك تعقيدات ظهرت على السطح بين عدد من القوى المناصرة للشرعية، منها ما يتعلق بالنتائج التي ستتمخض عنها الحرب، خاصة في المحافظات الشمالية، التي كانت أحد الأسباب الرئيسة لعدم توفر الإرادة لدى تلك القوى على الأرض لحسم المعركة لصالح الشرعية، رغم توفر الدعم والإمكانيات من قبل دول التحاف العربي، وهذا ما مكّن الانقلابيين من التموضع على الأرض والتمسك بها رغم الإنهاك الشديد ونقص العتاد والسلاح.

ويقف التحالف العربي والشرعية اليمنية، حاليًا، أمام مرحلة حرجة يتطلب تجاوزها مزيدًا من الثبات على تحقيق الهدف الذي من أجله قامت الحرب، وفي الوقت نفسه إعادة النظر في التحالفات بين القوى السياسية الشمالية، وتنشيط العمل العسكري لتحقيق اختراق فعلي من خلال انتقاء أهداف معادية نوعية لضربها، بما يؤدي إلى انكسار حقيقي للانقلابيين.

أما مضيق باب المندب، أتمنى أن تتكاثف جهود الدول العربية والتنسيق فيما بينها وبالذات مصر والسعودية والسودان والإمارات، للتواجد الفعلي في حوض المضيق المائي، لإثبات حقنا العربي في حمايته والدفاع عنه، والأهم من ذلك أن يتم تطهير الساحل الغربي لليمن من الانقلابيين، وهذه مسألة ليست صعبة، وفي متناول التحالف والشرعية إن أرادا ذلك.