بين السيسي وأوباما

بين السيسي وأوباما

المصدر: تاج الدين عبد الحق

تطغى الشكليات على المضامين، في بعض اللقاءات الدولية الهامة، وتصبح الصورة الظاهرة، أهم مما يجري في الكواليس، أو ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.

في قمة العشرين التي عقدت في الصين، وضمّت رؤساء أكبر اقتصادات في العالم، وأكثرها تأثيرًا في الأمن والسلم الدوليين، كانت الأضواء التي سُلطت على حادث المصافحة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومقارنتها بمصافحة الأخير، لكلّ من ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكثر من الأضواء التي سلطت على الموضوعات التي بحثت في القمة، أو الخلافات والاتفاقات التي جرت على هامشها.

كان الاهتمام بلغة الجسد حاضرًا في كل مشهد من مشاهد القمة وكأنَّ هذه اللغة هي لغة التخاطب المفهومة بين الحاضرين.

ومع الاعتراف بأن لغة الجسد تكشف في كثير من الأحيان ما تخبئه النفسُ؛ إلا أن تحميلها هذا الكم من التفسير يُفقدها المصداقية، ويَجعلها نوعًا من التعسف في التفسير، لخدمة مواقف مسبقة، أو للدفاع عن مصالح ضيقة .

في حادث المصافحة بين الرئيس السيسي والرئيس أوباما، لا أحدَ ينكر أن الموقف من الناحية البرتوكولية كان محرجًا للرئيس المصري وأنه لم يكن تصرفًا لائقًا من الرئيس الأمريكي، لكن جَعْل هذا الحادث تعبيرًا عن موقف أمريكي مقصود، وتلهفٍ مصري منشود، هو نوع من المبالغة، أو حتى شكلٌ من أشكال تصفية الحسابات بين قوى سياسية وحزبية، وما يتبعها من أذرع إعلامية.

فمثل هذا الحادث هو خطأ برتوكولي، يتحمل الرئيس تبعاته، وإنْ كان لا يتحمل مسؤوليته. فهناك أجهزة مختصة في كل دولة مكلفة بالاهتمام بكل الجوانب المتعلقة بالمراسم والتقاليد المختصة بتحركات الرؤساء، أو رؤساء الحكومات وممثلي الدول. وهؤلاء ملزمون بحكم عملهم، ومناصبهم، بوضع التفاصيل كافة مهما كانت شكلية، لحماية الرئيس أو المسؤول من التعرّض لأيّ شكلٍ من أشكال الإحراج أو سوء الفهم والتقدير.

ويخضع المكلفون بمراقبة تطبيق البرتوكول في كل دولة، إلى أشكالٍ متعددةٍ من الإعداد والتدريب، تبدأ بدراسة مساقاتٍ متخصصة في القواعد والأعراف الدبلوماسية والقنصلية، ودورات مكثفة في أشكال التعامل الدبلوماسي اليومي، وما هو مسموح فيها، وما هو ممنوع منها.

وفي العادة فإن الالتزام بقواعد البرتوكول يختلف من بلدٍ لآخر ومن مناسبة لآخرى. كما أنّ القواعد نفسها ليست واحدة، فما يُعدّ تجاوزًا وخرقًا للبرتوكول في دولة ما؛ يُعدّ غير ذلك في مكانٍ آخرَ.

وقد يأخذ شكل الالتزام بأعراف السلوك الدبلوماسي شكلا ًصارمًا يتحول فيه الرئيس أو المسؤول، إلى ربوتٍ يتحرك بخطى محسوبة، ويتصرف بحدود مرسومة، وكأنه فاقدٌ للحس الإنساني، وغير قادر على الاستجابة العفوية لأيّ فعلٍ لا يكون متوقعًا، فتصبح التلقائية نوعًا من التجاوز المذموم، بل وسببًا في فقد البعض الوظيفه العامة، أو مدعاة لحرج حكومي أو حزبي لا يدفع ثمنه من ارتكب الخطأ؛ بل الحكومة أو الحزب الذي ينتمي إليه.

في السنوات الأخيرة بات التجاوز في سلوك الدبلوماسيين مألوفًا، بعد أن تولّى السلطة أشخاصٌ من عامة الشعب، وجدوا في الالتزام بقواعد البرتوكول نوعًا من الاستعلاء على الناس، أو نوعًا من المباهاة بالسلطة .

فوجدنا رؤساءَ يرفضون الإقامة بالمقار الرئاسية وآخرين يتمسكون بسياراتهم العتيقة، أو ملابسهم البالية، حتى وهم على رأس السلطة. بل إن بعض الرؤساء ممن لديهم فلسفات خاصة تجاه بعض القضايا الإنسانية والاجتماعية يلجأون للتعبير عن تلك الفلسفات بأشكال غير مسبوقة مثل أن يذهب بعضُهم إلى القصرالرئاسي أو مقر الحكومة بعجلة هوائية، أو يشارك الجمهور واقفًا في المترو أو المواصلات العامة.

ولعلنا نذكر في هذا الجزء من العالم، كيف أنَّ وضْع رجلٍ فوق أخرى كان نوعًا من السلوك غير الدبلوماسي في حضرة الرؤساء والملوك في المنطقة، قبل أنْ يصبح ذلك أمرًا معتادًا، بعد أن تكاثر عدد الزائرين الأجانب، وتعددت وتنوعت مهماتهم، لدرجة أصبحت أخطاءٌ من هذا النوع لا تثير حفيظة أحد أو غضبه.

في البرتوكول، الزائد أخو الناقص، وما زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، ونذكر هنا حادث انحناء الرئيس باراك أوباما أمام العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والذي لاقى انتقادات بين الأمريكيين؛ لكنها لم تكن -رغم الفارق- بمستوى الانتقادات التي تعرّض لها السيسي في الصين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com