الحلم… مُخْبِرنا السريّ

الحلم… مُخْبِرنا السريّ

مدني قصري

يقول علماء التحليل النفسي، أنه لو وضعنا جنبًا إلى جنب الأحلام الليلية لرجل في الخمسين من العمر لأمكننا القول: إن هذا الرجل قد حلم مدة خمس سنوات. أي حوالي 1800 يوم و45 ألف ساعة.

وهكذا يكون هذا الرجل عاش خمس سنوات من عمره في عالم مختلف، والتقى بواقع مختلف كل الاختلاف عن واقعه اليومي.

والحال أنه في هذه الحياة الليلية الطويلة لا وجود للزمن ولا للمكان.

ويؤكد علماء التحليل النفسي أن الحُلم مُخْبِرُنا السري الذي يَنقل إلينا معلومات ثمينة عن أنفسنا، وأنه يمثل، بحكم وظيفته المستقلة عن وعينا، عُزلتنا الكاملة.

ينشأ الحلم من اللاشعور الذي اكتشفه فرويد وأثبت وجوده علميّا، وأكده من بعده علماء نفسانيون آخرون وعلى رأسهم يونغ وأدلر.

يعني أن وظيفة الحلم وظيفة تشخيصية لحالتنا النفسية المكبوتة وليست وظيفة تنبّئية إلا نادرا جدا.

يقول هؤلاء الرواد الثلاثة، إننا في الحلم نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع أنفسنا، دون غشِّ. ففي الحلم لا شيءَ سوانا.

لكن المهم أن نعرف -أيضا- أن معظم الأشخاص الذين نراهم في الحلم هم في الغالب جوانبُ من شخصيتنا الخفية، الكامنة في اللاشعور.

ومن هنا نُدرك أهمية فكّ رموز أحلامنا التي تتحدث لغة رمزية، حتى نفهمها ونُصغِي إلى رسائلها.

فكلُّ حُلم هو عبارة عن مواجهة مع ذواتنا. وهذه المواجهة قد تَكشِف عن جوانبَ عديدة، إيجابية كانت أم سلبية، من شخصيتِنا العميقة التي كثيرا ما تتعارض مع شخصيتنا الواعية.

هذه هي الحقيقة العلمية التي لم تُعلّمها لنا كتبُ التفسير وقنوات تفسير الأحلام التفلزيونية، التجارية المضللة، الرائجة في أيامنا.

أذكر من الأحلام التي ذكرها يونغ في أحد كتبه العميقة التي درستُها، أن امرأة عنيدة اشتهرت بين أصدقائها وصديقاتها بأفكارها المسبقة، وبمقاومتِها لأيّ حجة معقولة، رأت في منامها أنها دُعيت لحفلٍ عام. فاستقبلتها المضيفة وقالت لها: “ كم أنت لطيفة بقبولك الحضور إلى هذا الاجتماع ! كل أصدقائك وصديقاتك هنا في انتظارك“. ثم رافقتها حتى باب القاعة وفتحت لها الباب. فاجتازت السيدة عتبةَ الباب ودخلت، لتجد نفسها في داخل إسطبل! (انتهى الحلم).

لاحِظوا معي أن الحلم تحدّث لغةً غير لغتِها المعتادة. لقد أصابها في كبريائِها. لقد قال لها بصراحة تامة: ”هذه هي حقيقتك: أنتِ اسطبل“. (الاسطبل هنا، حسب سياق الحلم، يرمز إلى حماقتها وغبائِها).

ولَمّا فهمتْ هذه السيدة دلالة حُلمِها اختفى في الحال عنادها، وأدركت مدى السخرية التي كانت تثيرها من حولها بسبب عنادها.

أحب أن ألاحظ هنا أنه قد يكون للإسطبل دلالات إيجابية، بحسب سياق الحلم وارتباطه بالحالة النفسية الراهنة. وهذا دليل على أن صور الأحلام لا تحمل دلالات ثابتة، على عكس ما يدعيه المفسرون الذين يعتقدون أن كتب التفسير الدينية الرائجة في مكتباتنا وقنواتنا التلفزونية، كافية لسبر أغوار الأحلام وأسرارها.

يقول يونح، إن الإنسان يستخدم الكلمة المنطوقة، أو المكتوبة، حتى ينقل للآخر ما يحمله في ذهنه. ولكن الإنسان كثيرا ما يستعمل الرموز والإشارات. فالرمز يختلف، عند يونغ تحديدا، عن الإشارة، لأن الإشارة (وإن كانت رمزا في مفهومنا العادي) فهي تدل على أشياء بعينِها، مرتبطة بها، بينما الرمز ينطوي، بالإضافة إلى الأشياء التي يشير إليها مباشرة، على دلالات أعمق وأكثر غموضا، كامنة في أعمالق اللاشعور. وهي الدلالات التي يمكن الكشف عنها عن طريق الأحلام. أي أن الكلمة، أو الصورة قد تُصبِحان رمزيَّتيْن عندما تنطويان عل شيء يضاف إلى دلالتهما المباشرة الفورية. وهي دلالات تختلف من شخص إلى آخر بحسب ما ترمز إليه عند كل شخص دون سواه. ومن هنا ندرك الفرق والمفارقة بين التحليل النفسي وبين تفسير الكتب الدينية التي تعتقد أن لصور الأحلام دلالات ثابتة.

قرأتُ لأحد المحللين النفسانيين أن امرأة رأت في منامها أنها تسير في شارع شعبي، وهي تحمِل شنطة يدوية كبيرة مزدحمة بأشياء كثيرة. فجأة انفتحت الشنطة فتوزّع محتواها على الأرض. فشعرتْ هذه المرأة بالخجل، وحاولت أن تجمع كل هذه الأشياء التي توزعت على الأرض، لكن هذه الأشياء ظلت تفلِت منها كلما أمسكتها، فيما كان الناس من حولها يضحكون ويتفرّجون عليها

قد يطول الحديث في تفسير تفاصيل هذا الحلم. لكن تفسيره النفسي الطبي باختصار هو أن هذه المرأة تُربِك نفسَها بأشياء لا فائدة فيها، أي أنها تتبنى سلوكيات مصطنعة لا صلة لها بشخصيتها الحقيقية. وقد تغيّرت حياتها بعد أن وعَت حقيقتها الجوانية. وقد جاء التغيير من داخلها، تلقائيًا بعد تحليل الحلم.

للمقارنة أحب أن أنبه إلى أنه لو عَرضت هذه المرأة حُلمها على مفسر ديني لقال لها، مثلا، ”ابشري، مالٌ وفيرٌ سيفيض عليك وسيتدفق مدرارا من حولك، وسوف ينساب بين يديك كالماء، ولِوفْرتِه فلن يسعك أن تَعُدِّيه أو تحتويه.. ابشري!“.

لاحظوا الفرق بين العلم والدجل!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com