الشهرة وتوقعات المشهور

سلوك الأشخاص سلبا أو إيجابا يتأثر برد فعل الناس تجاه هذا السلوك، فإذا استنكر الناس السلوك السئ أو غير المرغوب فإن الشخص مهما كان وضعه سواء كان مشهورا أو غير مشهور سوف يتراجع عن سلوكه او موقفه بمقدار قوة رد الفعل المستنكر.

رفيعة الطالعي

لفت انتباهي في بعض المناسبات الإعلامية الكبرى التي أحضرها من حين لآخر، تلك المناسبات التي يحضرها كثير من المعروفين والمشهورين إعلاميا سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. لفت انتباهي هو نوع معين من المشاهير الذين يتوقعون من كل شخص يحضر المؤتمر أن يكون يعرف تماما من يكونون. بل ويتوقع المشهور أن يعامل بشكل خاص ومختلف على أساس أنه ينتمي لهذه المؤسسة أو لأنه ذلك الشخص الذي لايشق له غبار في هذا المجال أو ذاك.

وهذا النوع من الأشخاص يتوقع من كل الناس أن يخدموه كطفل مدلل، وأن تجاب طلباته كأوامر. وقد صادفت مؤخرا مذيعة مشهورة مرتين في يومين متتالين، وكنت أعرفها جيدا، لكنني لم أظهر ذلك، ببساطة لم أهتم بها، ولاسيما بعد موقف منها مع عاملين في الفندق الذي كنا ننتظر أمامه إحضار سياراتنا من المواقف. ببساطة أرادت أن تفعل شيئا وأخبرها العامل أنه لايمكنها القيام بذلك بسبب إجراءات أمنية خاصة بالمؤتمر، وانزعجت منه ولسان حالها يقول ألا تعرف من أنا، كيف لايمكنني ذلك؟ عموما انتهى الموقف بأن انتظرت، إلى أن أحضرت إليها سيارتها دون أن تقوم بذلك الشيء الذي أرادت القيام به.

وما أزعجني هو طريقة تعاملها مع العامل المهذب، وأيضا توقعاتها من عامل لايفقه حتى اللغة التي تذيع بها في قناتها. وعلى الأغلب لم يشاهد يوما هذه القناة. ولا أتصور أن أمراض الشهرة تقتصر على هذا الشكل أو على هذه المذيعة، بل تتنوع هذه الأمراض بتنوع الأشخاص الذين يعتقدون أن على الجميع تدليلهم، والتعامل معهم بالأسلوب الذي يتوقعونه هم شخصيا من كل فرد حولهم. حتو لوكان هؤلاء الناس لايعرفونهم فعلا.

وفي الواقع أنني شهدت موقفا لإحدى الشخصيات المهمة التي تعتقد أنه حتى في الشارع يجب أن يفسح الناس المجال لعربتها أو سيارتها عند مرورها في الشارع لمجرد أنها هي بداخلها! مثل هذه الشخصيات تصبح مع الوقت شخصيات نرجسية لا ترى إلا نفسها، ولا تعرف غير نفسها، وبالتالي فإن وجود الناس الآخرين حولهم مرتبط بمدى خدمتهم لهذه الشخصية، وبمدى أهميتهم لسير حياتها، وتوفير ما تحتاج إليه من خدمات، ومن إشعارها بمدى أهميتها.

في معظم الأحيان يسهم الناس من حول هذه الشخصيات على تغذية هذا الشعور إما بدون قصد أوبدون قصد، فالحالات التي تكون بلا قصد هي في الغالب من باب الاحترام، ومعرفة مكانة الشخص أو تقدير شهرته. ولكن الشخص المشهور يسئ فهم احترام الناس وتقديرهم له، فتكون الفكرة لديه أنه يستحق أكثر من إظهار الاحترام، وربما يظن بأن على الناس الانصياع له والسعي إلى إرضائه. أما السلوك الواعي من بعض الأفراد تجاه هؤلاء المشاهير فيأتي من باب التملق والتزلف، وأحيانا بهدف الحصول على فائدة أو الوصول إلى منفعة ما، وهذا النوع لاشك هو الأخطر لأنه يغذي السلوك السيء لدى المشهور ويجعله يعتقد بأنه أهم من الآخرين فعلا. وعندما تكثر هذه المجموعة المتزلفة من حوله يتوقع أن يحذو جميع الناس حذوها، فهو لايتوقع مثلا أن يتجاهله أحد، عدا عن عدم معرفة أحدهم به أصلا. فإذا حدث ولم يظهر له شخص ما يتوقع قد يصاب بالغضب والتوتر، وقد يقوم بفعل أشد اعتمادا على قوة ومكانة الشخص الذي تجاهله أو لم يقدره التقدير المناسب من وجهة نظره.

وأخيرا فإن سلوك الأشخاص سلبا أو إيجابا يتأثر برد فعل الناس تجاه هذا السلوك، فإذا استنكر الناس السلوك السئ أو غير المرغوب فإن الشخص مهما كان وضعه سواء كان مشهورا أو غير مشهور سوف يتراجع عن سلوكه او موقفه بمقدار قوة رد الفعل المستنكر. أما إذا لم يكن للناس أي مواقف تذكر من هذا السلوك أو ذلك يستمريء الشخص سلوكه حتى يزعج الناس. أما إذا كان الناس يشجعون على هذا السلوك السئ فلا يلومون لاحقا إلا أنفسهم، لأن نتائج هذا التشجيع ستقع عليهم قبل الآخرين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة