ليبيا…. معضلة التدخلات البراجماتية

ليبيا…. معضلة التدخلات البراجماتية

إميل أمين

يبدو أن الناتو بات علي أبواب ليبيا بالفعل، في تدخل عسكري جديد في الشرق الأوسط، وهو الثاني في ليبيا عينها، غير أن السؤال هذه المرة :“ هل سيكون تدخلا مجديا أم لا، سيما في ضوء الخبرات العديد التى أخفقت فيها تدخلات عسكرية مشابهة؟

منذ أيام قليلة كان وزير خارجية إيطاليا ”باولو جنتيلوني“ يتحدث بالقول “ علينا أن نتحرك بصورة عاجلة“، وفي الوقت ذاته كانت قطع البحرية الفرنسية تبحر في المتوسط، لتشارك في مناورات بحرية مع القوات المسلحة المصرية تحت عنوان ”رمسيس 2016″… ما الذي جري ويجري ويجعل المعركة في لبيبا ”قدر مقدور في زمن منظور“؟

من الواضح ان ليبيا أضحت مركزا جاذبا لداعش وأخواتها وبخاصة بعد التضييق عليها في سوريا، كما أن المعلومات المتوافرة تشير إلي أن تنظيم الدولة الإسلامية استقدم عددا كبيرا من المقاتلين الشيشان ليتيح لنفسه إنشاء إمارة إسلامية علي شاطئ المتوسط، تمتلك من القوة ما يمكنها من السيطرة علي آبار ومصافي النفط، بالإضافة إلي المواقع الحيوية المهمة في ليبيا.

كان الظن مؤخرا أن تعداد عناصر داعش لا يتجاوز الثلاثة آلاف إلي خمسة آلاف عنصر، غير أن تقديرات جديدة تؤكد علي أن العدد أرتفع إلي ما نحو عشرة آلاف، ما يعني حال استمرار تدفق الظلاميين علي ليبيا في الأشهر القادمة، سيجد العالم نفسه أمام إشكالية حقيقية، لن تفلح معها الهجمات الجوية، ولا القصفات الصاروخية.

ويبدو من الواضح أن الإعداد للتدخل العسكري الغربي جار علي قدم وساق وأن اختلفت الرؤى البرجماتية وراء الأمر، فالأمريكيين، الذين عبر عنهم بإراك اوباما بقوله ”سنواصل التحرك لمنع داعش من تثبيت مواقعها في ليبيا“، يريدون موطئ قدم لهم علي ساحل المتوسط، عطفا علي كون ليبيا مدخل فائق الأهمية لبقية دول القارة الإفريقية.

أما فرنسا فقد كانت لسبب علني أو خفي رأس الحربة في إسقاط نظام القذافي، وعليه فربما تحاول تصحيح بعض من أخطاءها، فقد غاب عنها، أو غيب، سيناريو اليوم الثاني بعد زوال حكم العقيد، وتحركاتها هذه المرة غرضها إظهار نفسها كصاحبة دور مؤثر وفاعل في الحملة علي داعش، حفاظا علي مصالحها التاريخية في شمال أفريقيا، وفي العمق منها.

هل إيطاليا بعيدة عن المشهد؟

لا توجد دولة أوربية خسرت وتخسر مما حدث في ليبيا ، بقدر خسارة إيطاليا، فقبل زمن الثورات العربية، كانت الاتفاقيات بين ليبيا وإيطاليا، تشهد أزهي عصورها، فيما الآن أضحت ليبيا مهددا استراتيجيا من الدرجة الأولي لإيطاليا.

لم يكن غريبا أو مثيرا إذن أن يعلن الجنرال ”دونالد بولدوك“ قائد القوات الخاصة الأمريكية في أفريقيا عن إقامة مركز تنسيق للتحالف المسلح الغربي في روما تمهيدا للتدخل القادم.

هل بدأت عمليات الناتو في ليبيا بالفعل؟

يبدو أن ذلك كذلك، ففي فجر الجمعة التاسع عشر من فبراير شباط المنصرم، شنت القوات الجوية الأمريكية هجوما علي ”صبراته“ قتل فيه نحو خمسين من عناصر داعش، وأحد القادة الميدانيين البارزين ”نور الدين شوشان“ وتم تبرير العمل بقطع الطريق علي عملية كبيرة كان داعش يعدها للتنفيذ في تونس…..متى وكيف لهذا الهجوم الواسع أن يبدأ؟

يبدو أن الخبرات السابقة من العراق إلي سوريا قد أكسبت البعض في أوربا حصافة في التفكير، تدخل في نطاق ”النرجسية المستنيرة“، أشار إليها ”جنتيلوني“ بقوله ”يجب أن نتجنب الوقوع في أخطاء الماضي والهرب إلي الإمام“… ماذا يعني ذلك؟

كان التدخل في لبيبا المرة السابقة، دون أشراف أممي، ومن غير رغبة ليبية حكومية، وعليه فقد كان عملا عسكريا غربيا من دون شريك يعتمد عليه ميدانيا من الليبيين أنفسهم.

في هذا الإطار يبدو أن دوائر القرار الغربي في انتظار إعلان حكومة وفاق وطني، وطلبها للناتو بالتدخل لمواجهة داعش ، فالجميع هذه المرة يدرك إدراكا تاما أن تنفيذ تدخل عسكري يتخذ شكلا من أشكال الاحتلال أمر عبثي وغير مطروح ومستبعد ، ذلك أن فعالية التصدي لتنظيم داعش في مثل هذا الحال، ستتضاءل إذا ما أعتبر جنود التحالف غزاة.

ماذا عن الليبيين ألأنفسهم في هذه الآونة؟

كالعادة يسودهم الانقسام، ففيما حكومة طبرق ترفض شن أي عملية من دون موافقتها المسبقة، فإن حكومة طرابلس تتوعد بالتعامل مع أي تدخل باعتباره اجتياحا أجنبيا.

هل هو تدخل غير مجدي إذن علي المديين المتوسط والبعيد؟

لن يتراجع الناتو هذه المرة عن التدخل العسكري، ما يعني أن الشرخ الداخلي في النسيج الشعبي الليبي سيتعمق لا محالة، حتى وأن صدر قرار أممي أو جاءت جنود الناتو بناء علي رغبة ليبية من حكومة طبرق المتعسرة.

معضلة الليبيين الحقيقية، هي الانقسام، والذي يمكن أن يقود وعما قريب إلي سيناريوهات التقسيم، والأحاديث الجارية عن ”فيدرالية سورية، نذير شؤوم لا يلتفت إليها الليبيين في الحال، وحكما سيدفعون ثمنا غاليا في الاستقبال حال عدم التنبه والينفظة.

خلاص ليبيا، غير قائم في عقول الأوربيين أو الأمريكيين، بل في إرادة الشعب الليبي للحؤول دون ظهور عراق أو سوريا أخري علي ضفاف المتوسط، وهو أمر يتوجب علي الناتو حسابه بدقة فائقة هذه المرة، وتوقع سيناريو ”اليوم الثالي“ للهجوم علي ليبيا بأفضل مهارة استشرافية، وإلا… فان فصل جديد من فصول العبث في الشرق الأوسط وراء الباب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com