العربية لغة ثانوية في وطنها

العربية لغة ثانوية في وطنها

رفيعة الطالعي

في إحدى الندوات التي حضرتها مؤخرا بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، انحرف موضوع الندوة من مناقشة قضايا المرأة والاحتفاء بإنجازاتها إلى جهة في النقاش غير متوقعة. وذلك بعدما ألقى صحفي ملاحظة على العروض التوضيحية التي قدمتها مجموعة من النساء اللاتي حققن نجاحات مميزة في مجتمعهن، الملاحظة كانت بخصوص اللغة التي تحدثت بها أربع متحدثات من بين ست.

كانت الكلمات الافتتاحية باللغة العربية، والتقديم للمناسبة كان بالعربية أيضا، ولكن كانت المفاجأة لأغلب الحاضرين هي أن المتحدثة الأولى اختارت أن تتحدث باللغة الإنجليزية، وتلتها الأخريات في ذلك. وكانت تتوافر ترجمة فورية في مكان الندوة.

قال الصحفي في أول تعليق بعد فتح المجال لأسئلة الحضور: نحن في بلد عربي، وجامعة عربية، والمتحدثات عربيات، والموضوع عن إنجازات المرأة العربية، وأغلب الحضور من العرب، وتتوافر ترجمة لغير الناطقين بالعربية، لماذا تحدثتن باللغة الإنجليزية؟

كان السؤال جوهريا وضروريا بالنسبة لي، لأنه لولم يسأل هذا السؤال لكان سؤالي وقد يكون بصيغة أخرى فقط: لماذا اخترتن أن تتحدثن بالإنجليزية، ولاسيما أن كل شيء يشير إلى أن الندوة كلها ستكون باللغة العربية. الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هي ردود الفعل من المتحدثات وغير المتحدثات، اللاتي انبرين في الدفاع عن أهمية اللغة الإنجليزية، وهن في ردودهن في واقع الأمر يبتعدن تماما عن جوهر السؤال. لكن أبرز ردين مدافعين هما: الأول من إحدى المتحدثات وهو أنها لا تستطيع التعبير جيدا عن أفكارها باللغة العربية إذا كانت تتحدث في موضوعات تعدّها مهنية؛ لأن دراستها لهذه الأمور كانت باللغة الإنجليزية.

وكان الرد عليها مباشرا، لأنها لم تكن تتحدث عن قضايا مهنية وإنما عن تجربتها الشخصية في الحياة والدراسة والعمل، وكان واضحا أنها كانت تستخدم اللغة الإنجليزية لتقول للحاضرين: إنها تجيد الحديث باللغة الإنجليزية، وهذا كل شيء، لأنها حتى عندما قررت أن ترد على أحد الأسئلة لاحقا باللغة العربية كما قالت، استخدمت كلمة عربية واحدة وبقية الجملة تكملها بالإنجليزية، ظلت هكذا حتى شعر الناس بالانزعاج لإصرارها على استخدام الإنجليزية لمجرد التظاهر. وحتى إذا كانت صادقة فيما ذهبت إليه فهذه مشكلة أن تكون امرأة بمستوى تعليمي عال وهي عربية تعيش في بلد عربي وتعليمها الأساسي كله كان باللغة العربية، ولا يمكنها التعبيرعن أفكارها باللغة العربية.

عموما الرد الثاني المدافع كان لإحدى الحاضرات التي قالت، إنه يجب أن نظهر للعالم أنه لدينا نساء متعلمات تعليما جيدا ويجدن اللغة الإنجليزية. ولا أعرف بصراحة أي عالم نريد أن نظهر له ذلك، ولماذا أصلا نريد أن نظهر له إجادة نسائنا للغة الإنجليزية، رغم انه كان من الواضح أنه مستوى التعليم ومكانه أن هؤلاء النساء يجدن اللغة الإنجليزية، ولم تكن هناك حاجة لإظهار ذلك بتلك الطريقة غير الموفقة.

حديث أوائل المتحدثات بالإنجليزية، جعل المتحدثتين الأخيرتين اللتين اختارتا الحديث بالعربية، تعتذران عن استخدام العربية بدلا من الإنجليزية، وكأنهن شعرن أن عدم الحديث بالإنجليزية ينتقص منهن ومما سيقلن لاحقا. وقد قالت المتحدثة الأخيرة: سأتحدث باللغة العربية رغم أنني أجيد الإنجليزية، لأن اللغة العربية هي لغة المشاعر، وعند التعبير عن المشاعر لابد من العربية. وبصراحة كان ذلك عذرا أقبح من ذنب.

لم يكن هناك من داع للاعتذار أولا، وليس صحيح أن اللغة العربية هي لغة مشاعر فقط، وصعب التعبير بها للأفكار. أتفهم ما ذهبت إليه إحدى المتحدثات فيما يتعلق بالمهنية، أحيانا ندخل في مشكلة ترجمة المصطلحات. وهو جائز ومتعارف عليه استخدام المصطلحات بلغة أخرى للتعارف بخصوص المصطلح، أو للتوضيح.

ولكن أن تكون أي لغة بديلا عن لغتنا الأم لمسوغات غير مبررة، فهذا ما لا يقبل ولا يمكن استيعابه، ولا يمكن تبريره بحجة سهولة التعبير عن الأفكار بهذه اللغة وليس بتلك اللغة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com