العرب بين المؤامرة والاستراتيجية

العرب بين المؤامرة والاستراتيجية

إميل أمين

علامات استفهام كثيرة تتصاعد في سماوات العالم العربي في السنوات الخمس المنصرمة، تلك التي أُطلِق عليها، سنوات الربيع العربي، وقد أثبتت التجربة أنه لم يكن في واقع الحال ربيعًا ولم يكن بالمطلق عربيًا… هل يثبت هذا أن العرب دائمًا وأبدًا ضحايا المؤامرة الكونية؟ ولماذا هم دون غيرهم من شعوب الأرض المستهدفون أبداً ودوماً؟

قبل الخوض في غمار الجواب، نشير إلى أننا لا نميل بالمُطلق إلى جانب التفسير المؤامراتي للتاريخ، لكن هل يعني ذلك أنه لا توجد مؤامرة في التاريخ؟

أفضل الكلام هو أن أصحاب نظرية التاريخ المتآمر مرة وإلى الأبد، بجانب أصحاب الرؤى الطوباوية اليوتوبية لمسارات الأحداث حول العالم، كلاهما يثير الغبار والدخان من حول الأحداث وواقعيتها… ماذا يعني ذلك؟

يعني دون تهوين أو تهويل إن العلاقات الدولية صراعات وقوى ومصالح، تمارس فعلها بالدبلوماسية تارة، وبالحرب تارة أخرى، وفي الحالتين تهتدي بخيوط وخطوط من الاستراتيجيات، وعليه فالتاريخ يصعب جزافًا اعتباره مؤامرة مستمرة، لكنه في اللحظة ذاتها يصعب إطلاقًا اعتباره فردوساً للأطهار.

قليلة هي اللحظات التي استطاع العالم العربي فيها الفكاك من براثن وشباك الآخرين، وهذه الندرة مردُّها إلى الإحجام عن المبادرة، أيًا كان اسم أو رسم تلك المبادرة.

مرات قليلة كان العرب أصحاب المبادأة الحقيقية، وكانوا أصحاب رؤية، والمعروف أن إحدى السمات المميزة للاستراتيجي الناجح هو أنه يعمل من خلال مطابقة أهدافه للموارد التي يحوزها ويعمل في هذا الإطار برؤية استشرافية.

صباح السادس من أكتوبر من عام 1973، انتصر العرب على إسرائيل، وكسروا الأسطورة، وهزموا الجيش الذي لا يُهزم، حدث ذلك لأنهم امتلكوا رؤية استشرافية مستقبلية ولم يكن رهانهم على الآخر، بل على الذات، وكانت اللحظة عربية تنويرية بامتياز.

مرة أخرى حدثت المبادرة، تتفق معها أو تفترق، كانت لحظة مبادرة الرئيس السادات، وزيارته التاريخية للقدس، يومها أصيبت إسرائيل بصدمة حقيقية، أجبرتها على تغيير مسارات أحداثها بالرضوخ والانسحاب من كامل الأراضي المصرية، وقد كان من الممكن وقتها تحقيق انتصارات أبعد من ذلك الحد، غير أن افتراق الإرادة والتخوين وقفا سدًا وراء الباب، وحالا دون إكمال منظومة النقلة الأولى التي تكفل لصانعها النصر.

لماذا الحديث من جديد عن العرب بين الاستراتيجية والمبادرة؟

الشاهد أن ما جرى ويجري للنفط العربي يدعو المرء للتساؤل هل هو فصل جديد من فصول التآمر المستمر والمستقر في التاريخ؟ الشاهد أن هناك أكثر من رؤية في هذا السياق المُعدّ بليل بهيم والمُرتّب له، وربما أيضًا لا يستهدف العرب فقط، بل أيضًا يُصوّب نبال جعبته لآخرين مثل الروسي أو بعض شعوب أمريكا اللاتينية، ومن يقرأ بعمق لهنري كيسنجر يدرك كيف أن واشنطن رأس حربة الامبريالية العالمية وفي أعقاب حرب أكتوبر، وضعت هذا النفط نصب أعينها، وذات مرة تحدث ارئيل شارون، عدو العرب الأول بالقول“ إذا كان العرب يمتلكون براميل النفط فنحن نمتلك أعواد الثقاب ”.

المؤامرة واضحة جدًا، كالشمس في ضحاها، لكن هل غياب الاستراتيجية العربية ساهم في تفعيل خطط الغرب التي يحلو للبعض أن يطلق عليها مؤامرة؟

يتحدّث المُفكّر الفرنسي الجنسية المصري الأصل، خبير الاقتصاد العالمي الدكتور سمير أمين، عن حال النفط العربي، فيصفه بأنه عربي فقط في باطن الأرض، أي طالما بات مخزوناً فيها غير مستغل في تحسين حياة مالكيه، غير أنه حين يستخرج منها فهو لم يعد عربيا، بل غربيا – رأسماليا مشترى سلفا، في مقابل أموال يعاد توظيف معظمها في المصارف الغربية.

علامة الاستفهام الأكثر إيلاما للروح العربية ”هل تم تدوير رؤوس الأموال العربية الناجمة من مداخيل النفط من أجل تحسين حياة الإنسان العربي؟“.

يؤكد خبراء التنمية البشرية على أن الانسان هو رأس المال الحقيقي في الحال والاستقبال، والمعرفة هي مادة الثراء الحقيقي، والناظر لليابان على سبيل المثال يرى دولة لا تحوز على موارد طبيعية، تتسق ونهضتها الصناعية المثيرة للدهشة، غير أنه لا يدهش المرء إذا أدرك أن الرهان كان ولايزال على العملية التعليمية والتنمية الحقيقية في العقول والأبدان.

لا يعني ذلك أن الجميع عربياً قد أخفق، بل إن هناك من قرأ المشهد مبكّراً وراهن على أن الانسان هو القضية، الإنسان هو الحل، وعليه لم يُقدّر لأحاديث المؤامرة أن تخترقه أو تهتك نسيجه الاجتماعي.

ما يجري بالنسبة للنفط العربي، وانخفاض أسعاره على النحو الذي نراه، قد يكون نعمة لا نقمة، ومنحة لا محنة، حيث على العيون أن تنفتح لترصد آفاقا عريضة يمكن لهذا النفط الرخيص أن يفجرها إبداعاً وزراعة وصناعة وتكاملا عربيا اقتصاديا حقيقيا، عوضاً عن ضياع ثروة لا تعوّض.

أي قليل أو متوسط الذكاء يستطيع الاستفادة من الحظ الذي يقرع الباب ذات مرة، إنما الماهر والحكيم، هو القادر على تحويل الانكسارات إلى انتصارات عبر مراجعة حقيقية للذات، لا تتوقف كثيراً عند باب المؤامرات حتى وإن وجد عربيا ودوليا، بل تمضي بأقدام ثابتة في قرع باب الاستراتيجيات الاستشرافية ، والطريق الأصوب لهذا الباب، يمكن إجماله في منظومتين لا ثالث لهما: ديمقراطية عقلانية، وتقدم وعدالة اجتماعية حقيقية…. حسن النوايا لا يغني عن سلامة التدبير.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com