غزو الإنترنت واحتلالها  (1-2)

غزو الإنترنت واحتلالها  (1-2)

محمد سناجلة

دخل المدون حسين درخشان سجون النظام الإيراني عام 2008 وأمضى داخل عتمتها ست سنوات طوال وحين خرج كانت الدنيا غير الدنيا. في ست سنوات غيرت الإنترنت بشكل كامل وغدت شيئا غريبا عما اعتاده أشهر مدون في إيران.

كان يشبه نجوم الروك، وأية تدوينة له كانت تستقطب عشرات الآلاف من القراء وآلاف التعليقات لكنه الآن شبه وحيد. نعم كان عليه أن يواجه الحقيقة المرة وهي انتهاء عصر التدوين، وأنه صار خارج الزمن الرقمي الجديد.

يقول واصفا حالته تلك: ”في السجن، كانت ست سنواتٍ مدة طويلة، لكن على الإنترنت، كانت حقبة بأسرها. الكتابة على الإنترنت بذاتها لم تختلف لكنّ القراءة، أو على الأقل، عملية أن تجعلَ الأشياء مقروءة، تغيّرتْ بدراماتيكيّة… قيل لي كم أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي ضرورية عندما كنت غائبا، لذا عرفت شيئا واحدا: إذا أردتُ أن أشُدّ الناس لرؤية كتاباتي، علي أن أستخدم هذه الشبكات الآن، لهذا حاولتُ أن أنشر رابطا على حسابي في فيسبوك، لكن تبيّن لي أن فيسبوك لم يكترث كثيرا. لقد بدا في النهاية، كأنه إعلان مخصّص مملّ؛ لا وصف، لا صورة، لا شيء. حصلتُ على ثلاثة إعجابات، ثلاثة فحسب! في تلك اللحظة، أصبح الأمر واضحا بالنسبة لي: الأمور تغيّرتْ، لم أكن مُعَدًّا للخوض في ذلك الحقل الجديد، كل محاولاتي وجهودي ذهبتْ سدى، وشعرت بأنني مدمّر“.

ما لم يقله المدون الإيراني هو أن الإنترنت كثورة على الخطية واحتكار المعرفة قد جرى احتواؤها وتقنينها، بل وحتى احتلالها، وإعادة هيكلتها لتعود إلى النظام والخطية والاحتكار الرأسمالي للمعرفة بصفتها رأس مال لا ينضب. 

والفاعل أدوات تسمى وسائل التواصل الاجتماعي برئاسة السيد الرئيس الفيلد مارشال جوجل، وقيادة الجنرال فيسبوك، والعقيد الركن تويتر، وبقية الضباط الآخرين انستغرام ولينكدن وسنابشات وغيرها من جنود الإمبريالية الرقمية الحديثة، أو ما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي التي هي في الحقيقة وسائل التدجين الاجتماعي… إنه جيش نظامي ممنهج هدفه الأساسي تدجين الإنترنت وإعادتها إلى بيت الطاعة، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد.

احتواء النص التشعبي واغتيال الرابط

الإنترنت في بداياتها كانت ثورة على الخطية، وانتصارا كبيرا لمفهوم النص التشعبي (الهايبرتكست)، الخطية تعني الزعيم الأوحد، والرئيس الأوحد، والدولة العظمى والقطب الأوحد، التشعبية تعني الجماهيرية، والتعددية والحرية والديموقراطية وحق الاختيار والتفاعل، وهي الضد الكامل للواحدية، للقطبية، هي بكل بساطة سلطة الجماهير والضمان الكامل لحقها في الاختيار.

وهذا هو ما كان يفعله الرابط (الهايبرلينك)، حيث كانت كل مادة تنشر على الإنترنت تحتوي على مجموعة من الروابط التي تتيح للمتصفح حرية التنقل والتفاعل مع عدد كبير من المواقع التي تتحدث عن نفس الموضوع.

وضمن هذا السياق في الاختيار ولد مفهوم ”المفضلة“، ويشمل ذلك المواقع المفضلة لدى كل متصفح للشبكة، وحقه في اختيار ما يحب أن يقرأه أو يتصفحه أو يطلع عليه…هذه هي الإنترنت بمفهومها البريء والطاهر بعيدا عن الاحتكار، لكن هذا المفهوم يعني توزيع السلطة وتوزيع الثروة، فالتشعبية حالة اشتراكية وهي ضد الرأسمالية بصفتها وسيلة لاحتكار المعرفة والسلطة والثروة كنتيجة مؤكدة.

مع ولادة وسائل التواصل الاجتماعي وبالذات الفيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها، تم مصادرة هذه الحقوق، تم التحايل على مفهوم الرابط واحتوائه تماما، مثلا حين تنشر مادة على الفيسبوك تحتوي على رابط فإن عدد اللايكات والتعليقات على هذه المادة يتضاءل إلى درجة كبيرة، (وهذا ما حدث مع المدون الإيراني حين نشر مادة على فيسبوك تحتوي على رابط يقود إلى مدونته) على عكس أي مادة تنشرها بالكامل على الفيسبوك، ولا تحتوي على روابط تؤدي إلى مواقع خارجية، حيث تحصد عددا كبيرا من اللايكات والتعليقات، لماذا لأن الفيسبوك وتويتر وغيرها من وسائل التواصل تحرص على عدم توزيع ونشر مادتك التي تحتوي على روابط تحيل على غيرها من المواقع، مادتك هنا تصل إلى أقل عدد ممكن من متابعيك على هذه الشبكات.

بينما حين تنشر مادة لا تشير إلى أي رابط فإن الفيسبوك وتويتر يوزعها بأفضل طريقة وتصل إلى عدد كبير من متابعيك وأصدقائهم.

غزو الإنترنت

مسألة أخرى في غاية الأهمية، وهي اغتيال مفهوم ”المفضلة“ فمن خلال سلسلة معقدة من الخوارزميات والعمليات الحسابية تقوم وسائل التواصل الاجتماعي بدراسة دقيقة لما يتابعه كل شخص على الشبكة ومن ثم تزويده بما يحب ويرغب من غير أن تكلفه عناء البحث، مثلا إذا كنت أرغب بمتابعة آخر أخبار الثقافة أو الرياضة فستقوم الفيسبوك وشقيقاتها بوضع هذه الأخبار على ”النيوز فيد“ أو ”الستريم“ في صفحتي، وبهذه الطريقة لن أحتاج للخروج من فيسبوك للبحث في مواقع أخرى عن ما أحبه من أخبار أو بضائع، ويبدو هذا مريحا ظاهريا لكنه ليس كذلك أبدا في العمق، فالأخبار والمواد التي تظهر في صفحتك على الفيسبوك من مواقع أخرى هي مواد مدفوعة الثمن من قبل تلك المواقع، وهي مضطرة للدفع كي تصل إليك أنت الذي عودتك فيسبوك ومواقع التواصل المختلفة على الكسل وأغنتك عن عناء البحث.

ما الذي يعنيه هذا؟ بكل بساطة يعني احتكار الإنترنت، والموت البطيء لبقية المواقع الأخرى، بل والتسلط عليها والتحكم بمستقبلها، لهذا نجد أن أغلب المواقع مضطرة اضطرارا للإعلان عن نفسها، وما تقدمه من خدمة من خلال الفيسبوك وشقيقاتها… ”بالفم المليان“ تقول لك مواقع التواصل أو التدجين والاحتكار الاجتماعي: إذا كنت تريد الوصول فيجب عليك أن تدفع لي، وإلا فإنك معرض للفناء والتلاشي.

هذه هي الإمبريالية الرقمية بأبشع صورها… انتهى موضوع المفضلة بل انتهت الإنترنت نفسها ومعها انتهت الحرية وعدنا إلى سيادة المركز وحكم الفرد الأوحد المطلق من جديد.

* رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com