حرية البنات بين قسوة المحافظة وحصار التدين

حرية البنات بين قسوة المحافظة وحصار التدين

رفيعة الطالعي

في أحد المؤتمرات التي حضرتها مؤخرا عرض الفيلم التركي ( موستنغ) للمخرجة دينيز غامر اورغوفين وهو فيلم عرض في مهرجان كان عام 2015 ونال جائزة علامة سينمات أوروبا . جمهور الفيلم الذي حضرت عرضه كان عربياً وغربياً ( أمريكياً وأوروبياً) وتركيا. بعد مشاهدة الفيلم كانت لنا ردود فعل متباينة، ولكن الواضح أن هناك تشابها بين آرائنا وأراء زملائنا الأتراك، بينما اختلفت ردود الفعل قليلا عند الأوروبيين و الأمريكان. ولكن هذا لم يمنع من وجود تشابه حاسم بين جميع الثقافات.

دعوني أبدأ بقصة الفيلم قبل الشروع في المناقشة، خمس أخوات يتولى عمهن وجدتهن رعايتهما بعد وفاة والديهما، يتحول البيت في القرية النائية عن اسطنبول، المدينة التي عشن فيها، إلى سجن، وكثير من الممنوعات والمحظورات. لا خروج من البيت، لا لعب، ولا ترفيه، حتى التلفزيون ممنوع. الضحك أو الحديث أثناء تناول الطعام من المحرمات. يفعل العم والجدة هذا حفاظاً على سمعتهنّ وكي يحظين بأزواج من أسر طيبة، ولكن البنات لايخضعن تماما لكل هذه القوانين الجديدة في حياتهن، فيتمردن أحيانا. فيخرجن ليقابلن أصدقاء أو للعب. ولكن عند اكتشاف هذا الهروب تعلو أسوار البيت ويضاف إليها رؤوس معدنية حادة تمنع القفز من فوقها.

ثم تبدأ الجدة في تدريبهن على أعمال البيت لإعدادهن ليصبحن زوجات صالحات. ويجبرن على لبس ملابس واسعة (جلابيات) بدون ألوان بدلا من الملابس الحديثة التي تعودن عليها. الفيلم يُحكى للمشاهد على لسان وعيون الأخت الصغرى التي لاتزال في طور الطفولة، بينما الأخوات الأكبر سنا في طور المراهقة. الأخت الصغرى هي التي تراقب كل شيء وتعلق عليه، وتحدد نهاية الفيلم أخيرا.

وما يميّز الفيلم هو سرعة الانتقال بين مشهد وآخر، بين السبب والنتيجة، بين حدث وآخر، كلمات موجزة وحوارات قصيرة غير أنها دالة، وممتلئة بالمعنى. كما أنه نقل واقع البنات بدون تزييف، فلم تكن البنات ساذجات أو بريئات تماما، كما أنهن لم يكن أكثر من مراهقات أردن اكتشاف الحياة، والدخول في مغامرات، ودفع الملل عنهن. يتميزن بخفة الدم، والقدرة على الضحك على الرغم من الوضع القاسي.

الأخت الكبرى تقع في حب أحد أبناء القرية وتخرج ليلاً، بالقفز من النافذة، من أجل ملاقاته، ولكن بعد اكتشاف هروبها الليلي يوضع شباك ذو قضبان حديدية. والأخت الصغرى تدفع أخواتها لحضور مباراة في أقرب مدينة للقرية. بعد الهروب تراهن الجدة مع المشجعين في التلفزيون، وهي بمعية جاراتها لم تعرف ماذا تفعل حتى لايراهن عمهن، فقامت بتعطيل التيار الكهرباء في البيت كاملا.

الحل لتجنب الفضائح المتوالية من جانب هؤلاء البنات، بالنسبة للعم والجدة، هو تزويجهن، وهكذا تبدأ العائلات تتوافد مع أبنائها إلى البيت بعد علمهم بوجود بنات جاهزات للزواج . لكن الأخت الكبرى، وهي ترفض الموافقة على الخاطب، الذي جاء مع أسرته لطلب يدها، تهدد جدّتها بالصراخ والتسبب بفضيحة، مصرة على ألا تتزوج بغير حبيبها، في نهاية الأمر تخضع جدتها لها ويأتي هو لاحقاً مع عائلته لطلب يدها. لكن تتورط الأخت الأصغر منها في هذا الزواج وهذا الخاطب الذي ينتظر أن تأتي خطيبته لتقدم له ولأسرته العصير في غرفة الاستقبال. تتزوج اثنتان، وبقيت ثلاث أخوات، الأخت الثالثة تنتحر بمسدّس كان يملكه العم، بعد وجبة عشاء كانت تحاول أن تتحدث مع أختيها الباقيتين معها، وأن يمزحن، فيمنعهن عمهن عدة مرات من ذلك، مطالبا إياهن بالصمت.

بعد هذا الموقف، تبدأ الأختان الصغريان في البحث عن مهرب إلى اسطنبول، ويتحقق لهما ذلك، ويظهر الفيلم المصير المجهول الذي قد يواجه البنتين في مدينة كبيرة. ولكن البنتين كانتا تحملان عنوانا، كان عنوان معلمتهما في المدرسة التي كن يدرسن فيها قبل انتقالهن من اسطنبول، ينتهي الفيلم بطَرقهن باب بيت المعلمة واستقبالها لهما.

نهاية الفيلم كانت مميزة لأنها كانت توحي بأن التعليم هو الذي يمكن أن ينقذ البنات من عادات وتقاليد ضاربة في القدم والقسوة. وهو ما سيمنحهن القوة على مواجهة التسلط الذكوري المسنود بدعم المجتعمات التقليدية، التسلط الذي ما فتيء الفيلم يسلط الضوء عليه.

كما ناقش الفيلم جدلية الدين والمحافظة، ما هو ديني، وما هو اجتماعي، والتداخل، حد التعقيد، بينهما، ما يمارس باسم الدين، وهو ليس من الدين في شيء، ما يقوله الدين عن المرأة وكيف تتلقى المرأة معاملة قاسية نتيجة تفسير يظلم المرأة في كثير من الأحيان. ورغم أن الفيلم حاول تجنب الصور النمطية غير أنه ينقل واقعا مشرقيا أبويا سواء كان عربيا أم تركيا. ولهذا كانت، من وجهة نظري، قصة الفيلم لا تنقل واقعا تركيا فقط بل كان واقعا يمثل ثقافتنا في المنطقة العربية أيضا.

النقاش الذي أثاره الفيلم في المؤتمر انصب في معظمه على الجدة وهي المرأة التي ساندت الرجل (العم) في تربية البنات، هل كان أسلوب تربيتها قسوة أم عادات وخوف على البنات من حكم المجتمع، ومن ضياع فرصهن في الزواج؟

كانت مداخلتي هي أن هذه الجدة تشبه أمهاتنا، وعلاقتها بحفيداتها، تشبه علاقة أمهاتنا ببناتنا على وجه الخصوص. الجدات لا يعرفن غير شكل واحد للتربية هو ذلك الذي تربين عليها منذ عشرات السنين قد يكون الفرق بين الجدة والحفيدة أعوام تبدأ من الخمسين وتصل إلى السبعين. كيف يمكن لجدة أن تفكر أن المعايير اختلفت، وأن رؤى الوالدين قد تكون مختلفة عن رؤيتها ورؤية الزمن الذي تربت فيه، ولكن التساؤل الفعلي كان: هل فعلا تغيرت المجتمعات في غير المدن من بلداننا؟ ألسنا نصفها بعد بالتقليدية؟ نربي أولادنا على أفكار مختلفة ولكنهم في قراهم عندما يلتقون كبار السن يفاجأون أن هناك نمطا آخر، قد يسميه بعضهم غير عادل بالنسبة للبنات، أو رجعي، أو في أحسن الأحوال تقليدي.

السؤال كيف نربي بناتنا تحديدا؟ هل للعالم ومانراه وما ندركه حوله من تغييرات جذرية في كل شيء؟ أم لمدننا؟ أم لمجتعاتنا الريفية أو البدوية في قرانا وبلداتنا الصغيرة؟ لاشك أن كثير من الناس منهم المثقفون ونخب المجتمع يربون أولادهم الذكور بشكل يختلف عن تربية البنات، وإن اتفقنا على بعض التفاصيل، مثل أن الولد يختلف عن البنت، فإننا لاشك نختلف كثيرا في معاملة كل منهما من حيث العدالة في الأساليب والمساواة في الحقوق.

تربية البنات الخمس والمصير الذي لقيته كل واحدة منهن قد يتشابه أو يختلف قليلا مع مصائربعض البنات اللاتي نعرفهن، ونحن كعرب عندما نشاهد فيلما كهذا نفهمه، لأننا نعيش قسما كبيرا من الأفكار المؤسسة لقصته. والغريب أن زملاءنا من الأوروبيين والأمريكان أيضا فهموا الفيلم والأفكار التي يطرحها، هذه المجتمعات، أيضا، عاشت تجارب شبيهة لهذه التجارب التي لانزال نعيشها، ولكنهم كانوا يتحدثون عنها بوصفها تاريخا، بينما كنا نحن العرب نتحدث عنها بوصفها حاضرا حيا مؤثرا في مصائرنا، خاصة نحن النساء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com