رفقا بلبنان يا أشقاء! – إرم نيوز‬‎

رفقا بلبنان يا أشقاء!

رفقا بلبنان يا أشقاء!

مارلين خليفة

يحقّ للمملكة العربيّة السعودية وشقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي أن تغضب من قرار لبنان الامتناع عن التصويت لمرّتين اثنتين ضدّ حرق سفارتها في طهران على خلفية إعدام الشيخ نمر النّمر.

ينطلق هذا الحق من أنّ لبنان بلد عربي الهوية والانتماء بحسب دستوره، ولأن المملكة العربية السعودية والدول الخليجية آزرت لبنان مرارا بوقفات دبلوماسية وبمساعدات سخيّة سواء من ودائع مصرفية أو من إعادة إعمار قرى وبلدات بأكملها إبان حرب تموز 2006، وإرسال طواقم كاملة لمستشفيات ميدانية لإعانة اللبنانيين، وأخيرا حين قرر الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله“ ) دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية بـ4 مليارات دولار أميركي، وهي الهبة التي تمّ وقفها منذ أيام على خلفية “ إضاعة لبنان بوصلته العربية“ بحسب ما نقرأ ونسمع في السجالات التي تتمّ في الصحف وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في الواقع، إن العتب الخليجي قائم من فكرة يقتنع بها الحكام والمسؤولون العرب تقول، إن الحكومة اللبنانية  اتخذت قرار النأي بالنفس عن الإجماع العربي في مسألة هجوم إيرانيين في طهران على بعثة دبلوماسية عربية لا يجب أن يثير شجبها الاجتهاد.

ويشير أصدقاء خليجيون الى أن المملكة لم تعمد الى قطع هذه الهبات عن الجيش والمؤسسات الأمنية إلا بعد أن تأكدت أن الموقف اللبناني رسمي حكومي بامتياز، وقد سمع المسؤولون فيها رئيس الحكومة تمّام سلام يغطي مرارا قرار وزير الخارجية جبران باسيل؛ ما يشير الى أنه قرار مؤسساتي لبناني بامتياز.

ويذكر الأصدقاء بأن المملكة لم تتأثر ولا قيد أنملة بالحملات الإعلامية الشعواء التي قادتها صحف موالية لـ“حزب الله“ بعد نشر وثائق ”ويكيليكس“ السعودية، ولا حتى بخطابات أمين عام ”حزب الله“ السيد حسن نصر الله التي تدرك المملكة خلفياتها الإيرانية وهي التي تخوض حربا مفتوحة مع إيران.

الجديد في القرار السعودي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة ومن مجلس التعاون الخليجي أنه يعني بأن لبنان بات بنظر أشقائه ساحة مواجهة مع إيران لأنها من وجهة نظرهم تهيمن على قراره السياسي الرسمي، وأن هذه الدول قررت التعاطي ببرودة دبلوماسية وعقلانية لا مكان فيها للعاطفة مع بلد يرون أنه خذلهم في وقت حرج، فلم يغدق عليهم ولو موقفا متعاطفا بسيطا.

إذا كانت هذه هي رؤية الدول الخليجية، فإن ما يغيب عن بال المسؤولين فيها وما كان ينبغي أن يشرحه دبلوماسيوها للدوائر المسؤولة المختصّة هو الآتي:

لبنان لم يتخلّ عن هويته العربية، وسواد الشعب اللبناني محبّ للخليج وتربطه بأبنائه أواصر صداقة وأخوّة شخصية وعائلية قبل العملية والمصلحيّة.

إن الطبقة الحاكمة في لبنان فقدت شرعيتها منذ زمن بعيد، وأكبر دليل الحراك المدني الذي انطلق في شوارع بيروت مطالبا بإزالتها على خلفية فشلها الذريع بإدارة الملفات المعيشية الداخلية وفضيحتها الكبرى؛ فشلها في ملف القمامة، والتمديد اللاشرعي مرّتين للمجلس النيابي اللبناني، لكنّ هذا الحراك تمّ خنقه.

إن الطبقة الحاكمة في لبنان لا تمثّل غالبية الشعب اللبناني ورأيه، ففي غياب رأس السلطة أي رئيس الجمهورية اللبنانية منذ قرابة العامين اختلّ عمل المؤسسات برمّتها: تسلّم رئيس الحكومة السلطة وعوض أن يتخذ القرارات بإجماع حكومته فإن المشاكل السياسية منعت الحكومة من الانعقاد دوريا لمناقشة دور لبنان وقراراته الدولية. وبالتالي إن قرار نأي لبنان بنفسه اتخذه وزير الخارجية اللبناني بالتشاور مع رئيس الحكومة دون الرجوع الى مجلس الوزراء مجتمعا الذي يضم مكونات ضدّ هذا القرار ومن الوزراء الذين نذكرهم: أشرف ريفي ونهاد المشنوق ووائل أبو فاعور وايضا القوات اللبنانية غير المشاركة في الحكومة وكثير غيرها من المكونات اللبنانية التي لم يسمع صوتها.

إن اتخاذ وزير الخارجية هذا القرار جاء بناء على معطى يقول بعدم الإخلال بالوحدة الوطنية لأن لبنان مستقطب بأطيافه بين إيران والسعودية، لكنّ القرار لم يكن موفقا وكان يمكن ألا يخرج لبنان عن الإجماع العربي مع الحفاظ على الوحدة الوطنية، وكان الأمر ممكنا عبر اجتماع الحكومة واتخاذ القرار المناسب وليس حصره بشخصين، والركون الى استشارات دبلوماسية واسعة سواء من سفراء وزارة الخارجية الحاليين أو المتقاعدين لأخذ خبرتهم في موضوع مماثل وهذا ما لم يحصل.

العالم العربي هو المدى الحيوي للبنان، وفي لغة المصالح الباردة أيضا تكون الأولوية لهذا المدى فكيف إذا كان مدى أخويا وثقافيا ودينيا أيضا؟.

وأخيرا، إن وقف الهبة للجيش اللبناني والقوى الأمنية لا يؤذي ”حزب الله“ البتّة لأن ذلك سيسهم في إضعاف الجيش اللبناني وسيعرض لبنان لعدم الاستقرار وسيبدو ”حزب الله“ المنقذ الوحيد للبنان حينها، وسيفسح المجال لتسليح هذا الجيش من إيران التي لم تتوقف عن عرض تسليحها للجيش اللبناني مرارا.

أما إذا أضاع لبنان بوصلته العربية كما يقول الأشقاء الخليجيون فنأى بنفسه بقرار متسرّع، فهذا لا يعني رجمه وإبعاده وكأنه مريض أبرص لا أمل في شفائه، بل عليهم احتضانه ومعالجة الخلل عبر القنوات الدبلوماسية حفاظا على الوحدة العربية والتضامن العربي. وإذا كان لبنان البلد الصغير أخطأ في مكان ما بسبب الفراغ المؤسساتي الذي يعاني منه مرحليا، فلا يجوز رذله من قبل أشقائه.

لأنه إذا كانت هذه هي السياسة العربية الجديدة فستتيح لإيران أن تخترق أكثر من بلد متأكدة من أنه سيرذل من أشقائه العرب فتتساقط وحدتنا العربية بلدا تلو الآخر.

رسالتنا الى العرب، رفقا بنا يا اشقاء، وتمعنوا قليلا بكيفية اتخاذ القرار في لبنان الذي يخضع حاليا وللأسف لمعايير داخلية ضيقة وهي بكل الأحوال لن تدوم، وفكروا بأن الروابط بين شعوبنا أقوى وأمتن من تقاعس سياسي يعالج دبلوماسيا وليس بالعزل والتهميش والرّذل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com