من يعتلي عرش صاحبة الجلالة؟

من يعتلي عرش صاحبة الجلالة؟

تاج الدين عبدالحق

بوفاة محمد حسنين هيكل يصبح عرش صاحبة الجلالة شاغرًا، لا يقول ذلك محبو الراحل الكبير فقط، بل الذين ناصبوه العداء وشككوا في مواقفه السياسية ودوره الإعلامي. فمن الناحية المهنية البحتة لا يختلف اثنان على أنه كان ألمع صحفي عربي طوال حياته، حتى بعد أن اعتزل الوظيفة وتقطعت إطلالاته الإعلامية منذ أن نوى الانصراف وهو على أعتاب الثمانين، إلى أن عاد كاتبًا ومحللًا عبر شاشة التلفزيون قبل سنوات من وفاته، متابعًا الأوضاع في مصر، كما لو أنه مخبر في بداية حياته الصحفية وليس شيخًا طاعنًا في عقده العاشر.

منذ أن ترك الأهرام في عام 1974، ومحاولات تحجيمه وتقليص تأثيره لم تنقطع، ربطوا تاريخه الصحفي بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، محاولين اختزال التجربة المهنية كلها بالعلاقة الشخصية التي ربطته بالمرحلة الناصرية، وبدلا من أن تكون تلك الحملة سببًا في تحجيمه، أعطت تجربته أفقًا دوليًا واسعًا ووضعته في مصاف الكبار الكبار من العاملين في بلاط صاحبة الجلالة.

قالوا إن الحرية التي تمتع بها خلال رئاسته للأهرام واشتغاله بالصحافة المصرية لم ينلها أحد غيره، وأنه بسببها استطاع النفاذ إلى القراء في مصر والعالم العربي وتحول إلى مصدر للمعلومات وباروميتر لقياس اتجاه الريح وحرارة الطقس السياسي. لكنه فاجأ الجميع بسلسلة من الكتب والمقالات التي أعادته أكثر وهجًا  للساحة الصحفية العربية والدولية فأحتلت مقالاته صدارة الصفحات وكتبه المكانة الأبرز في رفوف الكتب الأكثر مبيعًا.

ظلّ قادرًا حتى الهزيع الأخير من حياته الحافلة على الجمع بين المعلومة الموثقة، والصياغة الراقية التي تجعل من أي معلومة مهما بدت جافة مادة شيّقة جديرة بالقراءة، جامعة بين المتعة والفائدة.

كان الصحفي العربي الأغنى، إذا ما استثنينا أولئك الذين كونوا ثروات من علاقاتهم العامة،  لا مما تجود به قريحتهم الأدبية وكتاباتهم الصحفية، وباستثناء المدة القصيرة التي عمل مكرهًا فيها كنائب لرئيس الوزراء ووزير للارشاد بالأصالة  والخارجية  بالوكالة، لم يثبت عليه أنه تقاضى مبالغ غير تلك التي كانت تدفع له مقابل عمله في الصحافة وفيما بعد في التلفزيون .

لم يستقو لحماية تاريخه من التشويه بمراكز قوة، أو مساندة شخصيات نافذة، فكل الذين كانوا أصدقاء له في الحكومة تحولوا في مراحل تالية لخصوم، ولو كان لديهم أي دليل لما تركوا الرجل ينعم بسجل نظيف ويد طاهرة من دنس الرشوة والتكسب إلى اليوم.

اكتسب مهنيًا مصداقية جعلته مرجعًا للأضداد، فنال جائزة الملك فاروق الصحفية، وكان لصيقًا بعبدالناصر للدرجة التي اعتبروه منظرًا للثورة وحاملًا لمفاتيحها وأسرارها، ائتمنه الرئيس أنور السادات على إنجاز عمره وخلاصة تاريخه عندما كتب خطاب الحرب في أكتوبر عام 1973، أطلق سراحه الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بعد أيام من اغتيال الرئيس السادات في خطوة فسّرت في ذلك الوقت على أنها عنوان لمرحلة من المصالحة الوطنية.

خرج من شيخوخته عندما تداعت الأحداث الكبرى في مصر عام 2011 ، وبدا مرجعًا حتى لجماعة الإخوان المسلمين الذين لم يتردد رئيسهم محمد مرسي باستشارته فاستقبله بعد أن تولى رئاسة الجمهورية رغم الخصومة التاريخية بين الجماعة والناصرية التي كان هيكل من المحسوبين عليها وقطبًا من أقطابها .

ولآخر لحظة ظل هيكل مستشار الظل حتى للرئيس عبدالفتاح السيسي وهو يقود عملية تصحيح المسار وتوجيه البوصلة للطريق الذي يُخرج مصر من كبوتها ويُعيد لها دورها ومكانتها.

عندما نذكر هيكل بعد رحيله سنذكره باعتباره جزءًا من تاريخ مصر ومن سياسيها  ومفكريها الكبار ، لكننا سنظل نذكر أنه الصحفي الأبرز في تاريخها الحديث وهو اللقب الأثير الذي لم يتنازل عنه رغم الإغراءات ورغم التهديدات.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com