أنا، قريبتي والحزن

أنا، قريبتي والحزن

وئام غداس

قبل فترة بسيطة انفصلت إحدى قريباتي وكان يفصلني عنها عشرة أعوام عن خطيبها بعد علاقة دامت ما يزيد عن العامين من الحبّ والتفاهم وغيره، فجأة علمنا أنهما تركا بعض، حزّ في نفسي الأمر كثيراً بما أني توقعت ما سيحل بالفتاة من حزن وألم، لكن يبدو أني كعادتي قد شطحت بتوقعاتي عن الآخرين، ربما لأنني غالبا ما أقع في فخّ القياس على نفسي وطبيعتي وهذا خطأ فادح، فليس من الطبيعي والصحيح أخذ الناس بناءاً على نفسيتك وطباعك أنت، ذلك أننا بالفعل مختلفون جدا، بل وإلى حدٍّ مفزع.

رأيتُ الفتاة إذن على عكس ما توقعت تماماً عادية جدا، لا حزن ولا دموع ولا اكتئاب، طبعا ولا تفكير في الانتحار مثلا، تضحك وتخرج وتلهو كأن شيئا لم يكن، كان شيئا لم ينتهِ أو يتهدم، حتى أنني لوهلةٍ خلتها قد صارت أسعد بكثير، راح استغرابي يتزايد مع الوقت وبالطبع فضولي، أردت أن أعرف إن هي فعلاً لم تشعر بانفصالها عن حبيبها إلى ذلك الحدّ وأن انتهاء علاقتهما كانت أمرا تافها حقا وبلا قيمة، لم يكن مني إلا أن سألتها، أجابت بأنها بلى حزينة جدا ولا تنقطع عن التألم والبكاء ولكن عليها أن تكون متماسكة أمام الناس حتى لا يشمتوا بها وأمامه والناس الذين يعرفونه حتى لا يظن أنها حزينة على فراقه أو أن حياتها انتهت بدونه.

في الواقع صعقني كلامها، وطريقة فهمها للأشياء، الفتاة كانت في الثالثة والعشرين من عمرها في سني تماما عندما انفصلت عن خطيبي، رحت أستذكر قصتي تلك ولأول مرة أنتبه أن تفاصيل مشتركة كثيرة كانت بين العلاقتين، لكن الفرق أنني منذ أعوام وعند الانفصال، تركت العنان لحزني حتى أضحى حكاية القاصي والداني من العائلة والأصدقاء، والناس الذين يعرفونني ويعرفون خطيبي آنذاك، دخلت أشهرا طويلة في حالة اكتئاب حادة، استلزمت سفري إلى مكان بعيد لفترة، وأشياء كثيرة أخرى لم يخطر لي فيها أبدا أن أفكر في الناس التي ستشمت، أبداً رأيت أن الجميع قد التفّوا حولي وتعاطفوا معي رغم أن قرار الانفصال كان بالاشتراك ومتفق عليه، ولم أفكر أن الرجل الذي كنت أحبّ قد يفرح لحزني، على العكس كنا على اتصال دائم وكان يعرف الكثير عن تقوّض جانب كبير من حياتي بدونه وهو بدوره لم يبذل جهدا ليواري أنه كان حزينا ومكتئبا، كنا كما لو أننا نفاخر بحزننا حيال انقضاء علاقتنا كأن الحزن كان يجب أن يكون على قدر المحبة، لأني إلى هذا الحدّ أحبك فأنا إلى هذا الحدّ حزينة بسبب بعدي عنك.

لم تقف الإخفاقات عند هذه التجربة، توالت الإخفاقات والقصص الفاشلة، ليس سرا لأذيعه الآن ولكن ما فكرت به أيضا بعد حواري مع قريبتي أنني في كل علاقاتي كنت أشهر حزني مع كل فشل ولا أفكر بشيء، وقلت لنفسي هل يعقل أن بنتا صغيرة تنبهت لمثل هذه الأشياء واستطاعت تمثيل القوة في أشد لحظات ضعفها وأنتِ في الثلاثين ومازلتِ تتصرفين كأي فتاة ساذجة؟

الأمر يتجاوز قريبتي ويشمل نساء كثيرات يرين أن الحزن نوع من الضعف، وفور خروجهن من علاقة يبدأن بشكل مبتذل وغبيّ ذلك أنه مفضوح ومباشر في استعراض السعادة التامة ومظاهرها، مع أن أحداً لن يشكّ ان انتهاء علاقة لا يمكن في أي حال أن يكون مصدرا للسعادة، والرجل هدف الإغاظة ككل الناس لن يصدق رد الفعل المناقض للمعقول هذا، والمرأة تغتصب وقت الحزن فتربك تلاشيه وتساهم في إبطاءه، يبقى السؤال هل الحزن عيب، نقيصة، ذنب، عورة يجب ستره وإخفاؤه؟ لماذا يخجل البعض من إظهاره؟ أكلمكم عن ماهو الحزن في المقال اللاحق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com