مبادرة جعجع ومأزق الحزب

مبادرة جعجع ومأزق الحزب

يوسف ضمرة

لم تكن اللعبة السياسية في لبنان نظيفة يوما ما. هذا يعني أنها لن تتبدل أو تتغير بعصا سحرية. فالخلل اللبناني هو خلل بنيوي يطال جوهر البنية ككيان غريب.

مسألة الرئاسة اللبنانية لا تخرج عن هذا السياق. وعلى الرغم من أن الرئيس اللبناني ـ أي رئيس ـ لا يمتلك صلاحيات تخوله تعطيل شيء ما أو إقرار شيء آخر، إلا أن موضوع الرئاسة هنا له نكهة خاصة؛ إنه حصة المسيحيين بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية. وهي الحصة الأقل وزنا بالقياس إلى حصة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. لكنها تظل تختزن في جوهرها الوجدان المسيحي وتاريخ المارونية السياسية، الذي يحفل بالهيمنة والسيطرة حتى اندلاع الحرب في لبنان.

يعرف الجميع أن الجنرال ميشيل عون كان مرشح حزب الله وسليمان فرنجية. لكن اختراقا غريبا حدث، عندما رشح سعد الحريري سليمان فرنجية للرئاسة. وهي خطوة فيها ذكاء ومناورة. فسليمان فرنجية حليف استراتيجي لحزب الله، أكثر من عون وسواه، على رغم ورقة التحالف بين التيار الوطني وحزب الله. لكن الحزب الذي ظل يردد على الدوام أنه متمسك بترشيح عون، فوجئ بترشيح فرنجية. فالحزب أمام أمرين أحلاهما مر؛ إما أن يخسر التفاهم مع عون وتياره، أو يخسر حليفا استراتيجيا مثل سليمان فرنجية.

لكن ما زاد الطين بلة، هو ترشيح سمير جعجع للجنرال عون. ونحن نعرف أن هنالك انقساما في التمثيل الشيعي بين تأييد لعون وفرنجية، حيث تقف أمل مع فرنجية، والحزب مع عون. ولعل هذا الترشيح الجديد يصلّي موقف نبيه بري ضد عون، طالما تبناه سمير جعجع الذي تحيط به الشبهات والأحكام القضائية. أي إن حركة أمل ستكون أكثر توازنا الآن من أي وقت مضى، وهي ترفض عون وتتبنى فرنجية. ولكن، ماذا عن حزب الله؟

في ظني أن الحزب لن يعلن موقفا الآن. وهو سينتظر مواقف الكتل والتيارات الأخرى، فلعلها تنقذه من تجرع كأس السم! أي إن الخلاف بين الحريري وجنبلاط من جهة، وبين جعجع من جهة أخرى في هذا السياق، قد يبطل مفاعيل مبادرة جعجع الكيدية؛ فهو يعرف أن عون هو مرشح حزب الله، ويعرف أن انتقادات كثيرة سوف توجه إلى الحزب في حال استمر على ترشيح عون. صحيح أن عون هو مرشح الحزب في الأساس، ولكن ملاقاة جعجع في مبادرته ليس أمرا يمكن تمريره بسهولة ويسر. فوجدان المقاومة يحتفظ لجعجع بصورة فاقعة، وهي التي اعتبرته منخرطا في الحرب عليها وعلى نهجها، وبالعمالة بأشكال عدة. وإذا ما استمر الخلاف بين الحريري وجعجع، وطرح الاسمان لانتخاب أحدهما، فإن كفة الحزب ستكون لبضة القبان، وهو ما لا يتمنى الحزب حصوله إلى حين!

من ناحيته، فإن سمير جعجع، يدرك أنه استغل المناسبة كأحسن ما يكون. فقد خرج زعيما للمسيحيين، وبدا بالنسبة للعونيين والقواتيين وربما للبطريرك، أنه الرجل الماروني الموحد والجامع لصفوف المسيحيين. وهو يدرك جيدا أن مناورته قد لا ترى النور على الأرض. لكنه يدرك جيدا أنه سيكون الرابح الأكبر في هذه المبادرة.

حزب الله منشغل في سوريا بالطبع، ولديه في الداخل اللبناني ما يتكئ عليه، وهو اقتراح السيد القاضي بضرورة حل مشكلة الفراغ في لبنان بضربة واحدة لا بالتقسيط. أي إن الحزب أعلن منذ زمن أنه ليس مع ملء فراغ الرئاسة من دون معالجة الأمور العالقة الأخرى، كقانون الانتخاب ورئاسة الحكومة والتعيينات. فهل يظل الحزب كذلك، أم يجد نفسه مضطرا لمواجهة من نوع ما، ستكلفه الكثير؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com