عن القرى البعيدة المنذورة للغناء والأحلام !

عن القرى البعيدة المنذورة للغناء والأحلام !

المصدر: محمد بركة

 أحن إلى الماضي كمواطن مدلل، بحكم انتمائه لطفل الأبراج ”الحمل“، حتى لو كان مولودا   بقرية بعيدة ملقاة بإهمال على هامش ريف دلتا النيل بمصر المحروسة. أفكر ما الذي جعلني أتعلق بالإبداع وأغرم بالكتابة حتى تدركني في نهاية المطاف ”حرفة الأدب“ فلا أعرف. والدي موظف بسيط وجدي فلاح وسنوات الصبا ملونة بجمال الطبيعة وقسوة الحياة اليومية في قرى الفلاحين المنذورة للفقر والبلهارسيا. لكنها لم تنس نصيبها من الغناء والأحلام.

لم يكن ثقب الأوزون قد ظهر بعد، ولم تكن زيادة حرارة كوكب الأرض تحتل صدارة جدول الأعمال فى مؤتمرات البيئة الدولية، وبالتالي كان المناخ في مصر لا يزال معتدلاً ربيعاً، بارداً شتاء، وكانت تيارات الهواء ”الصاروخية“ تصفع وجوهنا نحن ملائكة الله الصغار عبر زجاج الشبابيك المكسور فى فصول المدارس الحكومية.

ورغم أن هوجة الانفتاح كانت فى عزها إلا أن الدولة فى نهاية السبعينيات كانت لا تزال تشعر بالحد الأدنى من حمرة الخجل تجاه الفقراء الذين يشكلون الأغلبية العظمى من الشعب، ولم ترفع بعد الراية البيضاء فى مواجهة ضغوط السادة فى البنك الدولي الذين طالما أمروا برفع الدعم عن محدودي الدخل ”هؤلاء الذين أصبحوا فى الألفية الثالثة معدومي الدخل والحمد لله فهدأت تلك الضغوط“.

انعكس هذا الحد الأدنى من حمرة الخجل فيما كان يسمى ”الوجبة المدرسية“ والتى كانت تُوزع علينا يومياً وبالمجان، وهى عبارة عن رغيف ناشف مثل البلاستيك وقطعة كبيرة من جبنة المثلثات تشعر حين تتذوقها أنها مخلوطة – على نحو ما – بالتراب.

ولم تكن تعنينا الوجبة فى حد ذاتها، فأمهاتنا لم يكن يثقن أبداً في أي شيء يتعلق بالحكومة، وقبل أن نحشر كتبنا الكثيرة والثقيلة فى حقائبنا القماشية، كن يحشرن أولا عدداً رهيباً من السندوتشات البيتية الشهية، وكأننا سنغيب عن البيت أياماً وليس ساعات فى مدرسة لا تبعد سوى عدة دقائق سيراً على الأقدام، وبالتالي لم نكن نشعر بحاجتنا لهذه الوجبة من أجل مواجهة أي إحساس بالجوع، بل لمواجهة هذا الإحساس العارم بالملل!

لم تكن المدرسة تعرف أي لون من الأنشطة الفنية. لا رسم ولا موسيقى.. ولا تمثيل.. وكانت حصة التربية الرياضية تتحول، بتعليمات من الناظر، إلى حصة إملاء أو حساب ”علشان العيال يستفيدوا بحاجة تنفعهم“، وإذا خالف أحد المدرسين هذه التعليمات سهواً يكون مصيره التوبيخ العلني أمامنا وعلى الملأ. كنا ننتظر توزيع ”الوجبة“ بفارغ الصبر، فهي فرصتنا الوحيدة للهروب من جدول الحصص السخيف.

يدخل ”عم فؤاد“ الساعى حاملا بيده اليمنى جوالا من الخيش يمتلئ بالأرغفة، وباليسرى يحمل طبقاً غويطاً من البلاستيك يمتلئ بقطع الجبن المثلثة، ويضيع على توزيع الوجبة ما يقرب من نصف ساعة، إذ يبدو أن السادة المدرسين هم أيضاً كانوا في حاجة للتسرية عن أنفسهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com