2016. …التنوير يتجاوز الاسلاموفوبيا

2016. …التنوير يتجاوز الاسلاموفوبيا

إميل أمين

بسبب تزاحم الاحداث اواخر 2015 لم يتسن لنا ان نتوقف لنتسائل :“ما الذي جري في الجولة الثانية من الانتخابات الجهوية الفرنسية وما دلالاته؟

لعل الذي تابع نتائج الجولة الأولي قد وقر لديه خوف كبير من سيطرة اليمين المتطرف علي مقدرات السياسة في دولة ”الحرية والمساواة والإخاء“ ذلك الشعار الذي تعود جذوره إلي سنوات الثورة الفرنسية، وأدرج في دستور البلاد عام 1958 ليمثل وحتى الساعة جزاءا من تراث فرنسا الوطني.

كان وراء المخاوف فوز حزب الجبهة الوطنية في ست مقاطعات، غير أن اليمين المغالي في تشدده فشل فشلاً واضحاً للغاية في أكمال المسيرة في الجولة الثانية، وأخفق في الحصول علي مكاسب سياسية جديدة ،ما يعني وصوله إلي طريق مسدود، وبلوغه حالة من العجز.

يعن لنا التساؤل هل فشل ”مارين لوبن“ وجماعتها مرده إلي تكتل الأحزاب لاسيما اليسار الاشتراكي واليمين المحافظ في مواجهة حزبها؟ أم من جراء الانتفاضة الجمهورية الرافضة للانقلاب الفرنسي الحرياتي؟

المؤكد أن التحالفات الانتخابية بين الأحزاب قد لعبت دوراً ناجزاً وفاعلاً في قطع الطريق علي اليمين المتطرف لوقف انتصاراته، غير أن هذا لم يكن ليحدث لولا حالة من عودة الوعي والصحوة الفرنسية، تلك التى دقت ناقوس الخطر تجاه مخاوف التنكر لأرث فرنسا التنويري الذي عرفته بلاد الغال عبر الأزمنة .

نجح اليمين المتشدد في الجولة الأولي وحقق نتائج واضحة ومتقدمة بسبب قدرته علي مغازلة الشارع الفرنسي علي أساس شعبوي، وبشكل خاص البسطاء في الريف ، وهي إشكالية لفت الكثيرون النظر إليها، حيث باتت الأطراف الفرنسية مهمشة لصالح النخبة الباريسية، والمثير أن تلك النخبة قد خسرت في الجولة الثانية لصالح اليمين المتطرف.

الأمر الآخر الذي أفرز نتيجة الجولة الأولي هو إحجام الكثير من الفرنسيين عن التصويت، ربما إحباطا ويأساً من مشاهد فساد سياسي مسيطر لدي من هم في داخل السلطة، وعجز لدي النخبة غير الفاسدة من السياسيين الشرفاء، ولهذا تحرك ”حماة الجمهورية الفرنسية“ الحقيقيين في الجولة الثانية، وارتفعت نسبة التصويت لتصل إلي 59% بعد 50% في الجولة الأولي، ليبدو ألامر وكأنه فعلاً وقولاً ”انتفاضة جمهورية“، رافضة لترك اليمين العنصري يتجاوز ستة ملايين صوت حصل عليها في الجولة الأولي، وتاكد جليا أن الناخب الفرنسي لن يضحي أمام تهويمات الاسلاموفوبيا البغيضة، بثوابت فرنسا الحقيقية التى حفرت لها مكانا في طليعة الشعوب الحرة.

لدينا مثالان يعبران عن حقيقة انتصار التنوير في مواجهة إجراءات عسكرة فرنسا التى طالب بها البعض :

الأول هو الصحافي ”أنطوان ليريس“ الذي فقد زوجته الشابة في الحادث الأليم وقد كتب رسالة للإرهابيين الذين حرموا ابنه ”ملفيل“ ذا السبعة عشر شهراً من أمه، وكان عنوانها ”لا… لن أمنحكم حقدي“ ومفادها أن الرد علي الحقد بالغضب يعني الاستسلام للجهل، رافضاً أن يضحي بحريته مقابل فكرة الأمن.

المثال الأخر لأحد المصابين ويدعي ”دانيال.ر“ ، وقد كتب من مشفاه الباريسي رسالة إلي صحيفة ”هافنغتون بوست الأمريكية“ أشار فيها إلي أنه يفضل الموت بالرصاص خلال سهرة غنائية علي العيش في دولة شرطية علي حد تعبيره. مضيف أن ”التخلي عن حريتنا لن يوقف حماقات بعض المتنورين“.

ماذا يعني المثالان المتقدمان؟

حكما يؤكدان المخاوف التى انتابت الفرنسيين من سطوه ”الأخ الأكبر“ الذي وتكرار النموذج الأمريكي الذي ساد منذ أحداث سبتمبر أيلول 2001.

لا يتصور الفرنسيون صدور تدابير تختصم من حرياتهم، ولا إجراءات تفتأت علي المفاهيم التى ينص عليها دستور ”شارل ديجول“، ولهذا جاءت نتيجة الجولة الثانية من الانتخابات في المقاطعات لتمثل صرخة حرية في مواجهة فاشية خبرها الأوربيون من قبل وبخاصة الفرنسيين ودفعوا مقابلها ثمنا باهظا.

في هذا السياق لابد وأن يذكر المحلل المحقق والمدقق الدور التنويري الذي لعبته الجاليتين العربية والإسلامية في عموم فرنسا، واللتان شاركتا بعمق وفعالية لقطع الطريق علي ”مارين لوبن“ وأعوانها، وقد بلغ تأثير هؤلاء وأولئك خسارة ”لوبن“ نفسها في منطقة ”نور بادوكالية بيكاري“ (شمال فرنسا).

هل انتهي المشهد عند هذا الحد؟

بالقطع لا، ما يعني أن عودة اليمين المتطرف وبقوة لاسيما خلال ستة عشر شهراً، الفترة الزمنية المتبقية للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017 أمر ربما يكون وارد وبقوة، لاسيما وأن مارين وحزبها لم يعودا فقط حجر عثرة أمام حكومات اليسار والمحافظين، أو أداة للتنفيس عن غضب الفرنسيين من برجوازية سياسي باريس المتأنقين في السترات السوداء، بل أنهما أضحيا أصحاب طرح حقيقي يسعي وراء السلطة، الأمر الذي يستدعي تحركات سريعة من أحزاب فرنسا لملاقاة بقية الفرنسيين المهمشين سياسيا في حقول الكروم في أرياف فرنسا، وتقديم رؤي أيديولوجية تقدمية، تتجاوز طروحات اليمين العنصري المناهض للأجانب والرافض للاجئين، والكاره للإسلام والمسلمين.

هل يمكن لـ ”مارين لوبن“ تحقيق الحلم والوصول إلي الأليزية في 2017؟

يبدو أن الأمر بعيد المنال، لكن هناك حالة واحدة فقط يمكن أن تدفع الفرنسيين في هذا الاتجاه، وهي حدوث كارثة أمنية جديدة في البلاد تدفع اليمين المتطرف للصعود إلي أعلي هرم السلطة، وهذا يعني أن الفرنسيين مطالبين بتقديم نموذج سوي وخلاق يجمع بين القدرة على مكافحة الإرهاب من جهة والحفاظ علي الحريات في ذات الوقت، وهي معادلة ليست باليسيرة، لكنها غير مستحيلة لشعب أنجب رجل مثل ”روسو“ كان أول من بلور فكرة العقد الاجتماعي للإنسانية المستنيرة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com