مدينة الورد والزجاج الملون

مدينة الورد والزجاج الملون

جيهان الغرباوي

حمدا لله على السلامة..

من هنا.. من مطار دبي الدولي، كل شيء حولك مبهر الفخامة لامع، مضئ، ملون ومبهج وسعيد، يجعلك مثل طفل دخل مصنع لعب.. كل الوجوه من حولك باسمة، مرحبة، تجعلك تتفاءل خيرا بالرحلة كلها، وتبتسم أنت الأخر، وقد تمضي تردد بصوت مسموع : بشرة خير ..

في كل ركن واتجاه وزاوية من المطار، إعلانات وبالونات وأضواء، وتماثيل صامتة وأخرى متحركة كلها تحمل شعار: “مهرجان دبي للتسوق”.

قبل أن نصل إلى سير تسلم الحقائب.. قطعت عليّ الطريق سيدة ترتدي الزي الوطني الإماراتي (الجلباب الأسود الفضفض والطرحة) وكأنها صديقة عزيزة، تنتظرني في المطار من الصباح الباكر، عرفتني بنفسها وأهدتني وردة حمراء في منديل أصفر مذهب أنيق، ومعه إشارة معدنية ذهبية تخص وزارة الداخلية وإدارة الجنسية وقالت: إنني حين “أشبك” هذه الشارة في ياقة فستاني وأنزل في دبي للشوارع والأسواق ستراني المجموعات المتجولة التابعة لادارة مهرجان دبي، وربما صادفني الحظ واختاروني لنيل جائزة “زوار المهرجان”، وقدرها 1000 درهم (!).

ابتسمت وأكدت لها أنني لن أنزل للتسوق بدون رشق هذه الإشارة فوق ملابسي، وأينما ذهبت واتجهت سأسأل بنفسي عن مجموعات “مهرجان التسوق” لأصافحهم وأتسلم الجائزة.. فضحكت طويلا ثم قالت: لا .. لا تبحثي عن أحد.. دعي حظك هو الذي يبحث عنك.. وإن شاء الله تكوني من الرابحين.

كانت “بداية القصيدة .. ورد”.

واستمرت رحلتي في دبي “مكللة بالورود” لا لشيء .. إلا لأن المدينة نفسها، عبارة عن حديقة كبيرة مفتوحة عامرة بكل نواع وأشكال وألوان الورد في الدنيا.

على كل رصيف “بوكيهات” ورد طبيعي طازجة تتمايل من نسيم شهر مارس الذي يضمن لهذه المدينة كل عام جوا ربيعياً مثاليا على امتداد أيام موسم التسوق فيرفع رأسها أمام السياح والأجانب، ويرفع أسهمها على خريطة مدن السياحة والبيزنس الأكثر شهرة في العالم.

ولأن “دبي” مدينة نظيفة جداً، منظمة جدا يظهر على ملامحها ومعالمها الثراء الفاحش جدا ..تستطيع ببساطة أن تقع في غرامها “من أول نظرة” وكيف لا ؟ إذا كنت ستكشف في هذه النظرة: شرفات البيوت يحيطها سياج من الأحواض المزروعة بالورد الأحمر، وكأنك في أسبانيا.. وأسوار القصور يحيطها صفوف من النخيل العربي قصير القامة وكأنك على أبواب “ألف ليلة وليلة”.. وشوارع هادئة تنكدس فيها أفخم أنواع السيارات وأحدث وأعلى موديلاتها في العالم، تسير في احترام كامل للمشاة، والتزام تام بإشارات المرور، دون صوت أو دخان أو خناقات ومعارك جانبية توقف الطريق وتستدعي تدخل “أولاد الحلال”.

من النظرة الأولى أيضا ستدهش مثلي لهذا الكم الهائل من ناطحات السحاب الزجاجية التي تقف في شموخ وزهو على جانبي كل طريق في دبي وكأنها “تحف هندسية، في مسابقة “ملكة جمال العمارات في العالم”، كل بناء يصلح لأن يكون وزارة سياحة أو متحف فن تشكيلي أو فندقا عظيما أو مركزا تجاريا عالميا شهيرا.. وحين تسأل عنه تكتشف أنه – بكل تواضع – مجرد عمارة سكنية عادية، يسكنها موظفون ومدرسون وأطباء وسائقوا تاكسي وتجار وصحفيون.

لا يهم من يسكنها، وافدون أو أجانب أو مواطنون من أهل البلد، مصريون أو هنود أو فرنسيون أو باكستانيون أو فليبينيون أو فلسطينيون أو لبنانيون.. المهم أ، تكون العمارة بالمواصفات والمقاييس الهندسية والجمالية العالمية، لتكون واجهة حضارية مشرفة للبلد.. وهي بالفعل كذلك.

وأهم من ذلك أنها غالبا واجهة براقة عاكسة للضوء وأشعة الشمس. فوق البنفسجية وتحت الفستقية وكل أنواع الأشعة (X) و (y) و (z).

فهي إما عمارات من الزجاج “البمبي” الباسم والأخضر الزرعي، والذهبي الجرئ والفضي الأنيق، و الازرق الواثق و ….. “هلم جرا”.

وإن كنا نحن المصريين في مصر “المحروسة” نعرف القول المأثور: “وراء كل عظيم.. امرأة”.. فإخواننا في الإمارات قد اكتشفوا واتبعوا قولا مأثورا أخر يقول: “وراء كل بناء عظيم .. باركينج”.

لذا لن تجد في “دبي” الحبيبة، عمارة سكنية أنيقة أو ناطحة سحاب باهرة، إلا ورأيت خلفها بناء جراج متعدد الأدوار ، وظيفته الوحيدة الاحتفاظ بسيارات سكان هذه العمارة أو الناطحة حتى لا تزدحم بها الشوارع وتزعج المشاة أو تشوه المنظر العام، أو تحجب رؤية الأرصفة المنزرعة وردا!

في الليل يأتي الدور على إبهار من نوع جديد ، عناقيد النور ودوائر ورسومات من اللمبات الملونة تزين المباني والكباري والمحلات وتملأ الشوارع حتى تبدو “دبي” عروسا في ثوت مطرز يليق بسهرات المهرجان على رأسها تاج يتلألأ ، وعلى الصدر وحول الأيدي عقود وأساور وأعلام وشرائط من الحرير الملون، تليق تماما بامرأة جميلة تريد أن تبدو كسندريلا في حفل الأمير.

في السماء تنفجر صواريخ المهرجان بألوان فسفورية تنافس أضواء الشوارع الساهرة وضجة الماء الهادر في نافورات الميادين.. وفي خضم كل هذه الاحتفالات الكرنفالية الصاخبة ويا للعجب يستحيل عليك أن تغافل القانون وتكسر إشارة مرور، وإلا تغرمت أكثر من 150 درهما، وأصبحت مهددا بالسجن.

يستحيل كذلك أن تلقى بعقب سيجارتك في الشارع وإلا دفعت 500 درهم غرامة.

وغرامات أخرى إذا قطفت وردة (100 درهم) وإذا تحدثت في الموبايل أثناء القيادة (100 درهم)، وإذا نسيت شد حزام الأمان (150 درهم).. حتى شرب الشيشة – على كورنيش الخليج – وفي الطرقات و “الركن” في الممنوع والتدخل في لون وشكل شقتك الإيجار.. كل هذا ممنوع ويعرض صاحبه للمسئولية القانونية والغرامة المادية التي لا تعفي منها “وساطة” ولا تخفف منها “شفاعة”، ولا يا امة ارحمينى ..

اجمل ما في الامارات انها البلاد المتحضرة المتقدمة الوحيدة ، التى تسافر اليها دون ان تنعى هم الاضطهاد او الازدراء، بسبب انك عربى مسلم، او مواطن من بلاد الشرق الاعبط الغلبان!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎