فرنجية بين الفراغ الرئاسي والفراغ السياسي – إرم نيوز‬‎

فرنجية بين الفراغ الرئاسي والفراغ السياسي

فرنجية بين الفراغ الرئاسي والفراغ السياسي

تاج الدين عبد الحق   

الرئاسة في لبنان، حالها حال لبنان نفسه، فكما أن قوة لبنان في ضعفه، فإنها أيضا حال الرئاسة اللبنانية، التي لايفوز فيها إلا من يكون قاسما مشتركا لتوافق الأقوياء، ومرآة تعكس مصالحهم، حتى لو اقتضى ذلك اللعب على الحبلين، استقواءً أو استرضاءً.

ومع اختلاف الدرجة، وتفاوت الدوز بين مرحلة وأخرى، فإن معظم رؤساء لبنان جاؤوا كمرشحي تسوية، الأولوية فيها لمصالح المشاركين في صياغتها، لا لأهلية وقدرة المرشحين أنفسهم.

وحتى في الحالات القليلة، التي كانت فيها سدة الرئاسة صناعة لبنانية خالصة وتعبيرا عن مصالح لبنان، فإنها كانت تنتهي إما بالاغتيال، أو بالحروب والاضطرابات الداخلية،  أو التجاذبات الإقليمية بين ما هو ممكن، وبين ما هو مطلوب.

على هذا النحو، وبهذه الروح يجيء ترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، وهو ترشيح  لم يكن مطروحا لا من الحلفاء القريبين، ولا من الخصوم البعيدين.

تسمية فرنجية كانت مفاجأة للجميع،  لقوى الثامن من آذار التي اصطفت، دائما، خلف الجنرال ميشال عون، كمرشح رئاسة أوحد لا يتبدل، ووحيد لا يتغير.  وهي مفاجأة لقوى 14 آذار التي كانت ترى فيه عدوا سياسيا لها، وحليفا وصديقا مخلصا لجارها اللدود بشار الأسد.

وبالطبع كانت التسمية، أيضا، مفاجأة للمكون المسيحي بقواه السياسية المختلفة، والذي ظل يراوح في تعاطيه مع الاستحقاق الرئاسي، بين توافق داخلي صعب، وتوافق إقليمي مستحيل. لكن من حيث لا يحتسب أحد، ومن خارج صندوق الحسابات السياسية التقليدية، طرح زعيم تيار المستقبل ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، اسم فرنجية، لا كمرشح تسوية محتمل فقط، بل كمرشح مقبول، وممكن للمكون السني أيضا.

والمكون السني، هنا، لا يقتصر على سنة لبنان، بل يمتد لسنة الإقليم أيضا، وللسعودية تحديدا، التي يبدو أنها كانت طرفا في كل المشاورات، قبل أن يفجر الحريري قنبلة الترشيح، وبعد أن بدأت كرة الاتصالات والمشاورات بالدوران.

ترشيح فرنجية للرئاسة اللبنانية يتوافق مع الجو الإقليمي، الذي بات مستعدا لتقبل فكرة بقاء الرئيس السوري بشار الأسد، لفترة انتقالية، وباتت الأطراف الإقليمية والدولية مستعدة، اليوم، للقبول به والتعامل معه لمرحلة مؤقته تنتهي بتخليه عن السلطة.

وبالتبعية، فإن من يقبل بالأسد في سوريا، يقبل بامتدادات وتداعيات دوره في لبنان، وهو دور محدود ومؤقت حكما.

في ضوء ذلك، وفي إطار هذا الجو الإقليمي، يمكن القول إن مبادرة الحريري، وبالرغم مما أحدثته من إرباك في صفوف حلفائه في 14 آذار، وفي الشارع السني، لم تكن مبادرة عفوية، بل كانت مبادرة سياسية مدروسة شاركت فيها قوى إقليمية ودولية.

فالرئيس السوري، وأنصاره في لبنان، لم يكونوا يتوقعون الترشيح ولم يكن بإمكانهم الاعتراض عليه، ففرنجية، حليف موثوق وصديق قديم. لكنهم يعلمون أن وجوده في سدة الرئاسة سيكون وجودا ضعيفا، وغير مؤثر، ولن يغير في ميزان القوى على الساحة السياسية اللبنانية لا سياسيا ولا مذهبيا.

 من جانبها، فإن قوى الرابع عشرمن آذار لا تعتبر وصول فرنجية للرئاسة هزيمة ورضوخا منها، أو انتصارا يحسب  لقوى الثامن من آذار، بل باعتباره أهون الشرين، خاصة في مرحلة إقليمية دقيقة لم تتبلور ملامحها ولم تتحدد اتجاهاتها.

كذلك، فإن القوى السنية، وبالرغم من الأصوات التي اعترضت على الترشيح، لا تخشى أن يترتب على تسمية فرنجية إنشقاق داخل صفوفها، فالحريري يتربع على رئاسة الشريحة الأوسع من المكون السني اللبناني، فضلا عن أن الكثير من الشرائح الأخرى في هذا المكون، لها ارتباطات سياسية ومصلحية إقليمية تحد من قدرتها على الاعتراض أو التعطيل.

على المستوى الإقليمي، فإن الدعم  الضمني الذي يلقاه الترشيح من السعودية سيجعل يد فرنجية مغلولة، وعنقه مطوقة بجميل المباركة  السعودية، الأمر الذي سيجعل من رئاسته، إن تحققت، ليس أكثر من مرحلة إنتقالية لتقطيع الوقت الذي تترتب فيه شؤون الإقليم، لا شؤون لبنان لوحده.

خلاصة القول إن ترشيح فرنجية لا يستهدف ملء الفراغ الرئاسي المستمر منذ عدة أشهر، بل ملء الفراغ السياسي الذي قد ينتج عن التوافق  على المرحلة الانتقالية في سوريا التي يجري التباحث حولها والتي سيكون لها إرتدادات مؤكدة على لبنان حاضرا ومستقبلا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com