ضمور العقل

ضمور العقل

موفق محادين

تستند هذه المادة الى دراستين وفيلم، دراسة الدكتور ماهر الصراف من الأردن، وأخرى للمفكر البريطاني ، كولن ولسون في (كتاب سيكولوجيا العنف)، وأما الفيلم فهو (جزيرة شاتر) للمخرج سكورسيزي:

تؤكد الأبحاث العلمية كل يوم ، أن الأطراف والأعضاء والأدوات البيولوجية التي يقل استخدامها أو تفقد الحاجة لها تأخذ في الضمور شيئا فشيئا وتتحول إلى زوائد لا قيمة لها.

وقد اظهرت ورقة بحثية للدكتور ماهر الصراف ، أن الدماغ نفسه وبالتالي تجريده المتعين (العقل) معرض للضمور ايضا..

ويلاحظ علماء الاجتماع والانثربولوجيا علاقة طردية بين تراجع الدماغ والعقل ، وبين الجماعات التي تصاب بردات او موجات انحطاط رجعية.

إلى ذلك ، وبالإضافة للجانب الموضوعي من موجة الردة الرجعية التكفيرية التي تجتاح منطقتنا الناجمة عن افلاس الدولة القطرية وعجزها عن دمج الطوائف والمجاميع ما قبل الرأسمالية في مجتمعات مدنية قومية معاصرة ، ثمة جوانب مبرمجة في خبايا الدوائر المعادية وفي مقدمتها الدائرة الصهيونية ، لرعاية وتغذية اشكال من الحرب على العقل والعقلانية .

ويظهر فيلم جزيرة شاتر للمخرج سكورسيزي أن دوائر أمريكية معروفة اشتغلت مبكرا على اللعب بالدماغ وانتاج أساليب مبتكرة لتوجيهه سواء بالعمليات الجراحية أو عبر (حبوب) شعبية من المخدرات.

إن تراجع العقل النقدي لصالح العقل الاداتي لدى المجتمعات الرأسمالية المعاصرة لم يحرمها من استمرار العقل في وظائفه بإزاحات مختلفة ، فيما الحال في وطننا العربي وعالمنا الاسلامي، يضع العقل وادوات انتاجه (الدماغ) خارج الفعل الحيوي برمته ويوظف ذلك ضمن أجندة مبرمجة من نمط الجماعات التكفيرية .

فركود العقل المرافق لعدم استخدامه بدواعي التحريات الكثيرة لا يعطل العقل وحسب، بل ويؤدي مع مرور الأيام إلى ضمور الدماغ نفسه .

وليس بلا معنى ان كل الجماعات والأمم التي عرفت أشكالا من الركود الاجتماعي والاقتصادي ، مثل العرب تحت الاحتلال التركي العثماني ، عرفت في الوقت نفسه اشكالا من ركود العقل والثقافة واليات عمل الدماغ كذلك.

ولا بأس أن نتذكر هنا المسافة الحضارية والزمنية بين عصر المأمون والمعتزلة وإعمال العقل ، وازدهار الفنون والاداب، وبين عصر المتوكل والحنابلة الذي افضى الى زمن ابن تيمية وسيطرة الاتراك السلاجقة والعثمانيين وقرون من الظلام المديدة ، حتى أن أمة الشعر والشعراء (العرب) لم تنجب خلال هذا العصر شاعرا واحدا بوزن سابقيه .

حسب كولن ويلسون فإن تخلف أمة من الأمم وازدياد النزاعات والعنف والجماعات التدميرية فيها يعود إلى تغذية الايديولوجيات والثقافات عندها لنصف المخ الايسر الاحادي الضيق اليقيني (التكفيري بالمحصلة) ويضرب مثالا على ذلك بالمجتمع الاسبارطي مقابل اثينا ، فقد جمد الاسبارطيون عقولهم وضبطوه على هدف واحد فقط لم يتجاوزوه ابدا واعتقدوا انه لا يوجد شيء آخر في الحياة يستحق الاهتمام عدا هذا الهدف.

وعليه، وبالإضافة لعمليات التدمير الواسعة التي ترافقت مع انتشار جماعات الاسلام التكفيري واستهدفت وبددت كل ما راكمه العرب من بنى تحتية طيلة العقود السابقة ، فإن أخطر ما استهدفته هذه الجماعات والذين يشغلونها ويقفون خلفها ، هو تدمير العقل وتطويقه باليقينيات والتابوهات والتحريمات ومما يؤدي إلى شله وشل بنية الدماغ نفسها آخر الأمر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع