الخراط .. رحيل آخر أديب موسوعي

الخراط .. رحيل آخر أديب موسوعي

محمد الغيطي

رحل ادوارد الخراط آخر الأدباء الموسوعيين, ورائد التيار الذاتي في الأدب العربي ،عاش مناضلا بالكلمة ضد كل أشكال القهر والاستبداد، مدافعا عن حق الإنسان مهما  كان لونه في الحرية والعدالة والكرامة.

ادوارد الخراط هو قصة إنسانية وإبداعية ثرية التفاصيل، ولد بالإسكندرية  في 16 مارس 1926 من أصول صعيدية ودرس القانون بجامعة الإسكندرية  وعمل مترجما بعيدا عن دراسته وفي عام 1948 انخرط في منظمة سرية ضد الاستعمار الإنجليزي، وأصدر بيانا من المعتقل ضد إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين، مما جعل سجنه يمتد ويخرج بعد زملائه.

السجن لم يكن تجربة عادية له، وهو نحيل الجسم ومن أسرة ثرية لها وضع اجتماعي لذلك آثر أن يناضل بالكلمة وأصدر أول مجموعة قصصية بعنوان (حيطان عالية) 1959 دشن فيها اتجاها أدبيا فتح باب النقد على مصراعيه، وهوجم لأنه يكتب بصورة مركبة، وأصر أن يمضي في أسلوبه فكتب (ساعات الكبرياء) التي ترجمت لعدة لغات وكتب عنه النقاد, إنه يسبح ضد التيار لأن أدب الستينيات كان يرفع راية الفن للمجتمع لكنه حفر اتجاه أدب الذات إعلاء الفرد ضد سطوة الآخر وهيمنة المجتمع لسحق الإنسان.

وبعد نكسة 1976 أطلق مصطلح الحداثة ثم الحساسية الجديدة وترجم عددا من كتب النقد الغربي لأول مرة للمكتبة العربية مماجعل الشاعر الكبير الراحل محمد درويش يسند له رئاسة مجلة الكرمة التي أصدرها على نفقته، وهي المجلة التي فتحت صفحاتها لأجيال من شعراء قصيدة النثر والمجددين من الأدباء العرب في القصة القصيرة والرواية والنقد الحديث.

أراد الخراط نموذجا تطبيقيا لتياره التجريبي فأصدر رواية (رامة والتنين) التي تعد أيقونة أدبية للأجيال والباحثين واستدعى فيها تقنيات حداثية في الشكل مع زخم محلي بالنص المحتوى, فتجد توظيفا للأسطورة الفرعونية مع القبطية مع اليونانية مع زخم بحر متوسطي عارم.

ورغم كثرة ما أغدقت به قريحة الأدباء محليا ودوليا عن الإسكندرية، لكن تظل ثلاثية الإسكندرية لإدوارد الخراط جوهرة فريدة تتوازى إن لم تتفوق على رباعية الإسكندرية لـ (لورانس داريل ) لأنه كتب الإسكندرية التي خبرها وسبر أغوارها وعلم مفاتيح سحرها.

الخراط لم يكتف بالخوض في كل أنواع الكتابة الإبداعية من قصة وشعر ورواية، بل حمل على كاهله عبء التنظير أيضا ولذلك ترجم العشرات من بحوث ودراسات النقد والعديد من المسرحيات العالمية التي تلقفها المسرحيون العرب بشغف وتعلموا وواكبوا منها التيار  التجريبي في المسرح  العالمي.

وإذا كان البعض ممن كتبوا عن الخراط يراه قبسا من نور طه حسين والعقاد وزكي مبارك، وغيرهم من الأدباء الموسوعيين الذين رحلوا, لكن ربما يتميز الخراط بميزة ليست عند هؤلاء الكبار وهي: أنه كان ناقدا من طراز خاص للفنون التشكيلية, وربط بين الصورة وكل تقنيات الأدب.

الميزة الأخرى للخراط أنه رغم كونه قبطيا لكنه كان معتزا بثقافته الإسلامية وسلط الضوء على مساحات التنوير في التراث العربي الإسلامي وترجمه للعالم الخارجي.

نحن أمام رحلة مبدع تحتاج لعشرات الباحثين للإحاطة بها وتدريسها، فالخراط ترك لنا أكثر من خمسين كتابا في شتى  فنون الإبداع ومئات المقالات في الصحف الأدبية بأكثر من لغة وعلى كل من يريد أن تدركه حرفة الأدب أن ينهل من بحره، بل كل من يريد أن يحشر نفسه في زمرة المثقفين أن يطرق على بابه.

الخراط مات بجسده لكن شمس إبداعه خالدة مثل كل حاملي مشاعل التنوير في العالم رحمه الله.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع