من يوقف التراشق بين مصر والسعودية؟

من يوقف التراشق بين مصر والسعودية؟

المصدر: محمد بركة

درس التاريخ منذ محمد علي مرورا بعبد الناصر يقول إن مشاريع النهضة المصرية تتعطل حال استعداء السعودية، بينما تخسر الرياض حين تعطى ظهرها لمصر.

والمعنى أن البلدين- شاء من شاء و أبى من أبى – هما عمودا الخيمة في الأمن القومى العربي وبالتنسيق والتفاهم بينهما يصبح العرب أفضل في مواجهة قوى اقليمية لا ترحم: ايران وتركيا واسرائيل.

لا حظ سيادتك أننى قلت “ التفاهم “ و“التنسيق“ ولم أجرؤ على استخدام عبارات من نوعية الوحدة أو حتى التكامل، وإنما لجأت في طموحى الى الحد الأدنى معولا على ضرورات المصالح البراجماتية طالما أن مبادئء العروبة ومقتضيات وحدة الصف أصبحت ”كليشيه“ مملا في مؤتمرات القمة العربية!

الآن لا أحد، فيما يبدو، يعبأ بدرس التاريخ أو يكترث بعواقب ”التدهور غير المعلن“ في علاقات البلدين.

تصاعدت في مصر نغمة الهجوم على ”الفكر الديني الوهابي“ في المملكة باعتباره مسؤول مباشرة عن أفكار العنف والتطرف في العالم، وجاء الرد من خلال مقالات نارية وتصريحات تلفزيونية لبعض الكتاب السعوديين، ثم تطورأخيرا – وبشكل مفاجيء وصادم وغريب على القناة المعروفة برصانتها – في برنامج يسمى ”عصير انتخابي“ على قناة العربية مكرس بالكامل للسخرية من الانتخابات البرلمانية المصرية ويتهمها بالفشل ويوحى بأن النظام في القاهرة يبيع الوهم لشعبه!

رسميا ، ينفى الرئيس المصري وجود أزمة في العلاقة مع الرياض ويدلل على ذلك بمشاركة بلاده في التحالف العربي بقيادة المملكة ويصف الكلام في هذا الامر بأنه ”مجرد انطباع“، أما السعودية الشهيرة بسياستها المتحفظة فتجنبت التعليق رسميا على ”حديث الأزمة“ وإن صدرت عن اصوات محسوبة عليها اشارات بان المشاركة المصرية في التحالف ”رمزية“ ولا تعبر عن الثقل العسكري لمصر وتختص أساسا بعمليات التأمين البحري.

الرئيس السيسي والملك سلمان تتسع مسافة الخلاف بينهما، فكل تقارب يحرزه العاهل الحالي – على خلاف سلفه الملك عبد الله – مع جماعة الاخوان وحركة حماس وتركيا بهدف تكوين حلف سني لمواجهة التوسع الايرانى، تراه القاهرة نقطة اضافية في رصيد أعدائها الذين يجاهرون برغبتهم في اسقاط مشروع ما بعد الثلاثين من يونيو.

و بدا أن الزيارات الرسمية المتبادلة فشلت في إحداث تقريب في وجهات النظر حول ملف متفجر آخر هو الحرب في سوريا، فبينما تصر الرياض على رحيل الاسد وتمول معارضيه وتلوح بالتدخل العسكري لاجباره على الرحيل بهدف قطع الطريق على التغلغل الايراني، ترى مصر أن هذه السياسة تخدم – بشكل غير مباشر – مخطط تركيا والاخوان في السيطرة على سوريا ما بعد الاسد، كما أن دمشق التى تعد امتدادا تاريخيا مباشرا للأمن القومي المصري وتحتل مكانة راسخة في وجدان العسكرية المصرية قد أصبحت دجاجة شهية على مائدة تحالف معاد!

الأمر كما ترى شديد التعقيد، والملفات الخلافية عميقة وشائكة، لكنها ليست مستحيلة الحل. والحكمة تقول: ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، وليس من المفيد بحال تمسك القاهرة بموقفها بأن الاصوات المهاجمة للفكر الوهابي لا تمثل وجهة النظرالرسمية، فقد ردت السعودية ببرنامج هلل له الاخوان قائلة: و هذا ايضا لا يمثلنا!

على العقلاء في البلدين التحرك العاجل من أجل وقف هذا التراشق الاعلامي، فالتدهور في منظومة الامن القومى العربي والتحديات التى يواجهها العرب لم تعد تهدد دورهم أو مستقبلهم، بل وجودهم أساسا.في هذه الاجواء يجب على القيادتين الاستعانة بمبدأ الامام الشافعى حين قال لمخالفيه: نعمل فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه! ومهما كانت الخلافات، فإن ما يجمع مصر والسعودية أكبر مما يقربهما.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com