دولة الإمارات في عيد اتحادها

دولة الإمارات في عيد اتحادها

تاج الدين عبد الحق 

تطل الذكرى الرابعة والأربعين لاستقلال وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كشعاع نور، في عتمة هذا الليل العربي الطويل مبشرة – رغم كل شيء – بفجر آت، ومجددة – كما في  كل عام – أملا كاد أن يختفي تحت ركام من اليأس،  وجبال من الإحباط.

  بهذا المعنى يحتفي العرب بذكرى قيام اتحاد الإمارات، لا كمناسبة وطنية تخص شعب الإمارات فحسب، بل  كذكرى من  ذكريات الزمن الجميل، الذي كان يتسع لأحلام، وآمال، لم نعد نجرؤ على الجهر بها،  و استحضارها،  أو حتى التحسر عليها.

كان نجاح  تجربة الإمارات الاتحادية نتاج العمل الميداني، أكثر من كونه تعبيراً عن تطبيق لوصفة سياسية، وكان تطورها نابعاً من الاحتياجات الفعلية، لا انعكاساً لاجتهادات وطروحات نظرية .

في ذلك الزمن البعيد، المثقل بإرث قاس من التخلف الاجتماعي،  والمعاناة المعيشية، المزنر بحزام من المؤامرات،  لم يكن أمام آباء التجربة الاتحادية الإماراتية،  ترف الاختلاف على التفاصيل، أو الوقت للإمعان في مراجعة الحيثيات والأسباب والمعطيات، كان يكفيهم تحديد الهدف،  لتوفير البوصلة التي تخرجهم من متاهة التفسير واالتأويل، وتدلهم على المسار الأقرب، والطريق الأوضح .

لم يتقنوا لعبة قفز الحواجز، لكنهم كانوا خبراء في تسلقها. كان التدرج، والصبر  في الوصول إلى الهدف: هو الوصفة السحرية التي ابتدعها مؤسس التجربة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كان يقول وهو يواصل بدأب لم يعرف الكلل،  ونشاط لم يصبه الوهن والملل: ”ما لا نستطيع تحقيقه اليوم نحققه غداً وما لم نتفق عليه اليوم أو غداً  نجتمع حوله بعد غد“.  وبوحي هذه الفلسفة وبهذه المقاربة تطورت التجربة الاتحادية الإماراتية ونضجت على نار هادئة، لم تعرف ما عرفته التجارب العربية الأخرى التي كان يشعلها حماس غير منضبط، وتطفئها أنانية ومصالح ضيقة.

الصيغة الأولى لاتحاد الإمارات العربية المتحدة، بدت للبعض صيغة كاريكاتورية، فقد كانت أقرب لتجميع أشلاء مبعثرة بطريقة عشوائية. فكل إمارة من الإمارات السبع المكونة للاتحاد لها علمها الخاص،  وقواتها المسلحة الخاصة، بل إن لبعضها قنوات اتصالات  مستقلة بالمحيط الخارجي، هذا فضلا عن الاستقلال في الموارد المالية والنفطية. كانت أشبه بإطار عمل أكثر من كونها صيغة تعايش نهائية.

عشية إعلان الدولة في الثاني من ديسمبر عام 1971 لم يكن يجمع أعضاء الاتحاد إلا صيغة دستورية هشة ظنها الكثيرون،  أنها لن تلبث أن تتحطم أمام جبل المؤامرات والدسائس والمطامع التي كان تقف في طريقها، وتعيق تقدمها.

لم تكن أسعار النفط في ذلك الزمان قد تجاوزت خمسة دولارات للبرميل، وكان الإنتاج ما يزال في مراحل التطوير أو التنقيب، لكن الشيخ زايد رحمه الله لم يتردد في تسخير تلك الموارد الشحيحة لخدمة المشروع الوحدوي،  بل إن هناك من لامه على ما اعتقدوا أنه تبديد في مشروع طوباوي، عندما كان يأمر بتنفيذ مشروعات تنموية وخدمية  في مناطق نائية، أوإنشاء طرق لربط  مناطق بعيدة في أطراف الدولة الجديدة. كانت فكرة تأليف القلوب حول فكرة الاتحاد، وتجسيده في مشروعات تعكس مصالح الناس وتعبر عن احتياجاتهم هي ما سعى إليه الشيخ زايد رحمه الله، وكان يدرك بنظرة استشرافية فطرية، أنه يستثمر في المستقبل، وأن ما يتردد به البعض اليوم سيكون حافزاً لهم غدا.

كان رهان الشيخ زايد رحمه الله على الاتحاد رهانا صعبا،  لم يكن يخشى خذلان الداخل بقدر ماكان حذراً من مؤامرات وتحديات الخارج. في أول أيام قيام الاتحاد تعرضت الدولة الوليدة لعدوان إيراني سافر حيث أقدمت قوات الشاه في ذلك الوقت على احتلال ثلاث جزر إماراتية مستغلة خروج بريطانيا المفاجئ من المنطقة، أو تنفيذا لاتفاق مرتب مع طهران. لم يكن أمام الإمارات في ذلك الوقت ما ترد به، فعضت على جرحها وحولته من عامل إحباط لتجربتها الوليدة إلى عنصر تحفيز لتأكيد أهمية الاتحاد والتمسك به كخيار في مواجهة أطماع الآخرين.

لم ينظر الشيخ زايد رحمه الله لعملية البناء والإعمار كضرورة تنموية واجتماعية بل كضرورة سياسية أيضا. فالتنمية هي التي حصنت تجربة الاتحاد وأكسبتها المنعة،  وحمتها  وجعلت منها تجربة ناضجة قادرة على أن تكون نموذجاً للآخرين وعلامة من علامات الجودة والتميز.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com