داعش والانتقام من الاستعمار

داعش والانتقام من الاستعمار

تاج الدين عبد الحق

منذ الهجمات التي تعرضت لها باريس، يتسابق كثيرون على نشر صور في مواقع التواصل الاجتماعي، للفظائع والجرائم التي ارتكبها الغزاة والمستعمرون في بلادنا كتذكير، لا يفهم من سياقه وتوقيته، سوى أنه خلط للأوراق ، ومحاوله لتبرير ما فعله تنظيم داعش في العاصمة الفرنسية، واعتباره من جنس ما جرى في الجزائر، قبل عشرات السنين، أو أنه رد عليه، وامتداد له.

وبالطبع، فأن أحدا لا يستطيع أن ينكر بشاعة تلك الصور، ولم يكن من الصعب الربط بينها وبين الحاضر الماثل، ذلك أن الجريمة، مهما تباعد زمان ارتكابها، لا تفقد تأثيرها ولا معناها، خاصة إذا كانت معززة بالشواهد الدالة عليها، والمؤكدة لها، كلمة، أو صورة.

لكن من نشر الصور أو علق عليها لم يفعل ذلك لكشف جريمة وفضح ممارسه ، بل فعل ذلك لحرف الانتباة عن مكمن الخطر، وجعلها شماعة تبرير، أو ستار تأييد.

ما ارتكبه الغزاة والمستعمرون من مجازر، على مر التاريخ، لا يمكن تبريره، ولا التنكر له، ولا القبول به. لكن استحضار تلك المجازر أو الاستناد لها في معرض تحليل وتفسير ما ارتكبه تنظيم داعش في باريس، كان في غير محله، وهو من قبيل ”كلمة حق يراد بها باطل“، أو إلباس جريمة كاملة الأوصاف، لبوسا أخلاقيا، وتأصيلها تأصيلا فكريا وسياسيا .

بل إن هذا الاستحضار، الخاطئ في شكله ومضمونه، حمل في طياته نوعا من التشجيع والتحريض لمواصلة هذا النهج، باعتباره رد مشروع ومنطقي ومقبول – حتى لو كان متأخرا – على ما ارتكبه المستعمر بحقنا من جرائم، وما قام به من ممارسات، وهو في هذا يتشابه مع الفتاوى والتفسيرات التي يطلقها بعض حراس الماضي، وسدنته لتكون سببا في تسميم الأفكار وتأليب المشاعر، وتحريض القلوب قبل العقول، على أفعال لا وصف لها، ولا معنى منها، إلا كونها تقليدا دينيا موروثا ونوعا من الإرهاب الفكري، وشكلا من أشكال الجريمة التي لا نتيجة لها، سوى تشويه القيم وخلط المفاهيم ضمن دائرة جهنمية من العنف والتطرف.

الذين نشروا صورا عن ممارسات جيش الاحتلال الفرنسي، إبان حكمهم للجزائر، لم يكن يعنيهم ما فعله المستعمرون الفرنسيون، وكل ما فعلوه أنهم قاموا بإرسال رسالة تشجيع وتأييد ضمنية لمهاجمي باريس، واتخذوا، بقصد أو دون قصد، موقفا دفاعيا عن الارهابين، وقدموا لجريمتهم مبررأ ربما لم يكن على أجندتهم، ولا ضمن حساباتهم، بل قد يكون هذا آخر همهم، خاصة، إذا أخذنا بعين الاعتبار الهوة الفكرية والسياسية الواسعة بين هذه الفئة وأولئك المجاهدين والثوار الذين قاوموا الاستعمار وناضلوا من أجل الاستقلال.

عندما ننتقد نشر صور الفظاعات التي ارتكبها الفرنسيون في الجزائر، أو غيرهم في بلادنا، فإن هذا لا يعني أننا نطالب بطي صفحة الماضي والتبرؤ منه، أو التنكر له، بل نريد توظيف الماضي توظيفا صحيحا، فما ارتكبه الفرنسيون في الجزائر، والصهاينة في فلسطين، وقبلهم حرب إبادة الهنود الحمر على يد عصابات البيض العنصرية في أمريكا، أو مافعله الامريكان بحق الفيتناميين، أو اليابانيون بحق الكوريين، أو الروس بحق الشيشان والشركس أو الاتراك بحق الأرمن، أو، لاحقا، الصرب بحق المسلمين والكروات، أو عمليات التطهير العرقي في راوندا ومناطق مختلفة في أفريقيا… لا يمكن الدفاع عنها ولا قبولها. لكن في نفس الوقت لا يجوز البناء عليها، وجعلها شرارة لإشعال مزيد من الحروب العدمية، وإشاعة حالة من الخراب الشامل، الذي لا يعيد حقا ولا ينصر مظلوما.

تارخ القتل باسم الدفاع عن المثل العليا أو الدين تاريخ طويل لم يبدأ مع تنظيم داعش، ولن ينتهي بتصفيته، فعمليات القتل التي تقوم بها بعض التنظيمات المتطرفة والمتشددة في عالمنا العربي والاسلامي، يستند إلى منطق وفكر ، من خارج العصر؛ قائم على مفاهيم أيديولوجية ضيقة تعتبر الآخر عدوا، بغض النظر عن أسباب هذا العداء، الذي لم تعد أسبابه قاصرة على اختلاف الجنسية أو الدين والمذهب، بل اختلاف حتى ضمن المذهب الواحد، تحت طائلة التكفير والعقاب، حتى لو كان سبب ذلك اختلافا في اجتهاد حول مفسدات الوضوء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com