السعادة.. هي إيه؟

السعادة.. هي إيه؟

وئام غداس

يقال أن أغنية مدتها دقيقتين استغرقت ثلاثة أيام كاملة من تصويرأحد الأفلام، ذلك أن البطلة التي كانت ستؤدي الأغنية عجزت عن فعل ذلك، ليس بسبب صوتها مثلاً بل لأن كلمات الأغنية كانت قاسية جدا، مدخل الأغنية كان ”السعادة.. هي إيه؟“، يقول مخرج الفيلم أن آخر ما توقعه أن تأخذ منه أغنية سهلة وقصيرة ثلاثة أيام كاملة من التصوير، ويتحدث عن أن الممثلة كانت ما إن تتفوه بالجملة الأولى حتى تدخل في حالة من الهستيريا والبكاء فيضطرهم الأمر أن يأخذوها إلى بيتها ويؤجّل التصوير إلى الغد هكذا على امتداد أيام، أول ما سيتبادر لذهن الذي يستمع لمثل هذه الحكاية هو: هل أن السؤال عن السعادة أمر محزن وقاسٍ إلى هذا الحدّ؟

يمرّ العمر في رحلة دائبة للعثور عليها، لكن الإنسان حقا لا يعرف ماهي سعادته لذلك تبدو عملية البحث عنها مثل الدائرة المفرغة، حتى يتهيأ له أنها كالسراب شيء يُرى من بعيد فقط، كلما حاولت بلوغه ابتعد أكثر وربما اختفى، هل غيّر هذا من قناعتنا بوجودها؟ طبعاً لا.

السعادة موجودة، لكن أين هي، السعادة موجودة لكن ماهي السعادة بالتحديد، هل ثمة تعريف للسعادة، هل السعادة شيء يمكن السعي وراءه؟

يقربنا المفهوم الديني وان بشكل غير مباشر باستحالة تحقق السعادة على الأرض، فالخلاص الحقيقي يكمن دائما في الآخرة وليس في الدنيا، الدنيا هي الشقاء، الابتلاء، الهموم، أما الآخرة فهي العدل، الجزاء، الجنان، العيشة الهانئة الخالية من كل شيء إلا أسباب الراحة والبهجة، قديما جدا كانت السعادة عبارة عن هبة سماوية لا تمنحها الآلهة للجميع بل لمن تشاء، لذلك لا سبيل للسعي وراءها في الحياة الدنيا، كل الأديان كرست هذا المفهوم، وحتى الآن تجد لا وعينا ينطوي بشكل تلقائي على كثير من الإرجاء للغد، الغد أي الحياة الأخرى، حياة ما بعد الحياة، عندما تتحقق العدالة الإلهية المطلقة، عندئذ فقط يثق الإنسان أنه سيكون سعيداً.

بدأ نقاش هذا الاعتقاد منذ عصر التنوير عندما حاول الأدباء والفلاسفة النظر في إمكانية إنزالها من السماء وتقريبها من الأرض وحثّ الإنسان على البحث عن سعادته الدنيوية فقال ديدرو: ”لم يعد هناك إلا واجب واحد، هو أن يكون الإنسان سعيداً“، أما السعي إليها فقد أصبح ممكنا فأصبحت غاية منشودة قد يتلخص وجود الإنسان في العثور عليها، هكذا انقلبت من شأن سماوي إلى شأن دنيوي محض قابل أن يتجسد على أرض الواقع، وتحولت إلى حق من حقوق الإنسان، الحق في الاستمتاع بالحياة والشعور ببهجتها والحصول على لذاتها بدلاً من قمعها وهو ما أبعد الفرد تدريجيا عن نظرية الزهد في الواقع وانتظار سعادة الآخرة، أعاد القيمة لذاته بتقديرها بأن طلب وسعى لإسعادها والاهتمام بها، بل وحتى الاعتقاد بفاعليته في إسعاد غيره.

اليوم من العبث إنكار أن الضغوط التي تتفاقم عززت الشعور بأن السعادة مجرد وهم، وهم لذيذ نريد أن نجد من خلال البحث عنه ”ما ننهض من أجله كل صباح“، ومع وجود متطلبات أكثر أهمية يركض الإنسان وراءها يوميا بات الالتفات إلى السعادة نوع من الترف المخزي، خصوصا وأنت تتأمل العالم المشتعل بالحروب حولك وما ينجر عنها من مآسي، لكن تبقى دائما أشياء صغيرة فردية في الأغلب تبعث من وقت لآخر شعورا بالسعادة، لذلك سعادتي ليست سعادتك بقطع النظر عما يمكن أن تكونه تلك السعادة، بالتالي هي مفهوم عائم على الدوام ومهما حاولت لن يؤهلك شيء أن تعرف: هي إيه.. السعادة!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com