سر الموقف الفرنسي في سوريا – إرم نيوز‬‎

سر الموقف الفرنسي في سوريا

سر الموقف الفرنسي في سوريا

موفق محادين

تتخذ دول عديدة مواقف متباينة من الأزمة السورية ، لكنها في معظمها مواقف مفهومة ومتوقعة بالنظر الى المصالح المرئية والى علاقات هذه البلدان مع سوريا ومع الشرق العربي عموما.

فالموقف الأمريكي ، وما يقابله من مواقف روسية وصينية متوقع ومفهوم، بيد أن ذهاب فرنسا إلى مواقفها الحالية التي تجاوزت الموقف الأمريكي نفسه، تحتاج الى التمعن والتمحيص ولا يجدي معها الحديث عن اغراءات مالية متواصلة من اطراف معروفة .

كما لا يجدي الحديث عن النفوذ الكبير لمحفل الشرق الأعظم (الماسوني) الذي يسيطر على سياسات مفاتيح الحزب الاشتراكي الفرنسي أكثر من غيره ، فهذا واحد من العوامل التي يمكن أن تفسر ، على سبيل المثال، سر النفوذ الفرنسي الكبير في الاقتصاد الأردني بالنظر الى علاقات الأردن التاريخية مع بريطانيا والولايات المتحدة .

فغذا كانت المسائل اكبر من اغلاق قديم للمحافل الماسونية في سوريا، وأكبر من الاغراءات والتدفقات المالية من اطراف محددة ودمج بعض النخب الفرنسية فيها ، وأكبر من خسارة فرنسا لهذا الاستثمار أو ذاك ، فما المسألة إذن:-

1. ابتداء فإن ربط المشهد الحالي بالارث الاستعماري لسوريا التاريخية ، هو القاعدة الحاكمة لهذا الموقف ، بالنظر الى أن السياسة الفرنسية المعادية لدمشق استمرت طيلة عهود سياسية متباينة في خياراتها الايديولوجية ، ومن ذلك :-

أ‌. الصراع مع القوى الاستعمارية الأخرى وتنظيم فرنسا لمؤتمر باريس 1913 الذي حشدت فيه زعامات سورية مناصرة لها بينهم عدد من السياسيين الذين اعدمهم جمال باشا بتهمة التخابر مع الأجهزة الفرنسية.

ب‌. الدخول على خط الانقلابات العسكرية التي اشتركت فيها باريس مقابل الانقلابات الامريكية واللبريطانية ودور شركات النفط فيها (انقلاب حسني الزعيم وانقلاب سامي الحناوي وانقلاب الشيشكلي)

ج. مساندة حكومة عدنان مندريس التركية ضد شكري القوتلي (ممثل البرجوازية السنية الشامية) في خمسينيات القرن الماضي، إلى يومنا هذا، لم تتحسن العلاقات الفرنسية -السورية

2. ظلت فرنسا طرفا اساسيا في كل المحطات السياسية التي جرى فيها قضم سوريا التاريخية ، وتحويلها الى ما انتهت اليه حاليا ، ومن ذلك :

– التواطؤ مع بريطانيا لتقسيم سوريا التاريخية وفق اتفاقية سايكس – بيكو ، التي فصلت جبل لبنان وشرق الأردن وفلسطين عن دمشق ولم يتمكن الوطنيون السوريون من الرد على ذلك بالرغم من المؤتمر السوري العام ( 1919 – 1920) بمشاركة ممثلين عن كل المناطق المفصولة.

3. مواصلة فرنسا قضم الأراضي السورية اولا ، بسلخ لواء الاسكندرون والحاقه بتركيا في نهاية ثلاثينات القرن الماضي ، وثانيا بتوسيع جبل لبنان بمناطق سورية وتكريس ذلك في صيغة الميثاق الوطني اللبناني 1943 ولم تفلح محاولات انطون سعادة وحزبه (الحزب السوري القومي ) بوقف هذا القضم بل ان سعاده نفسه حوكم واعدم بتهمة التحريض على الثورة في لبنان بعد تسليمه من الجنرال حسني الزعيم ، قائد الانقلاب في سوريا والمتهم باقامة علاقات سرية مع الفرنسيين والامريكان .

4. دور فرنسا الى جانب قوى حلف بغداد (حكومة مندريس الاسلامية في تركيا وحكومة نوري السعيد في بغداد ) بالتحريض على القوتلي ، والوحدة المصرية – السورية وصولا الى انقلاب الانفصال

5. بعد محطة قصيرة في عهد الجنرال ديغول ، واصلت فرنسا مواقفها المتوترة مع دمشق ، بل انها شاركت القوات الاسرائيلية ووحدات المارينز الامريكية تدخلها العسكري في لبنان 1982 واتهمت سوريا بتدبير العملية العسكرية التي اودت بحياة مئات الجنود الفرنسيين.

6. وقبل الأزمة الأخيرة بسنوات انحازت فرنسا لمحور (لبناني –سوري) ضد دمشق وضم الرئيس اللبناني المرحوم رفيق الحريري ، ونائب الرئيس السوري الأسبق ، عبد الحليم خدام.

7. وبالمجمل فإن محاولات الاعلام الفرنسي ربط مواقف باريس بالأزمة الحالية محاولات لا تعبر عن الحقيقة ، وتتنكر للسبب الحقيقي الذي يتصل بالإرث الاستعماري والأوهام التي بثتها عواصم الأطلسي عموما حول اعادة تقسيم المنطقة الى مناطق انتداب جديدة برعاية الولايات المتحدة ، وبمشاركة فرنسا وبريطانيا وقوى الانبعاث العثماني.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com